* لبنان يدخل في استحقاقات أمنية مفروضة عليه وأخرى داخلية يؤثر الخارج في صياغة حلولها وربما يفصل فيها، وفي مقدمتها الاستحقاق الرئاسي

الورطة التي فرضها تنظيم داعش الذي أعلن قبل أيام عن قيام «دولة الخلافة الإسلامية»، لا تقتصر على الجغرافيا التي احتلها التنظيم وأسس دولته فيها، بل إن الجغرافيا العربية اهتزت مع تمدد مقاتلي التنظيم وشطب الحدود والحواجز وتصوير بعض عناصره مع صواريخ سكود الروسية الصنع. بيروت ليست استثناء لقاعدة العرب، إنما تأكيد لها وترسيخ لما كانت عليه المدينة أيام الحرب الأهلية عانت منه كما لم تعانِ مدينة أخرى. كانت بيروت موقعاً لردود الفعل الكثيرة عربياً ودولياً ينعكس الحدث فيها عند أي تطور سياسي أو أمني أو عسكري في أي من بلدان القارات الخمس.
رغم أن بيروت لم تهدأ حتى بعد أن تم إسدال الستار على الحرب الأهلية إثر اتفاق الطائف في العام 1990 ودخولها في حروب داخلية أغلبها بالوكالة، إلا أن ما يطل برأسه في الوقت الراهن أكثر خطورة مما مر بهذا البلد الذي احتضن الجميع على مدار عدة عقود وتحمل تبعات ذلك انطلاقاً من موقعه الريادي في احتضان الآخر بغض النظر عن جنسه أو لونه أو عقيدته السياسية أو المذهبية. هذه الأريحية يتهددها ما يجري في الجار السوري من احتراب دخل عامه الرابع وحصد أكثر من مائة ألف قتيل وملايين النازحين واللاجئين منهم أكثر من 1.1 مليون لاجئ في لبنان من أصل قرابة سبعة ملايين شخص، ما يعقد الوضع ويزيد الهاجس الأمني في لبنان، حيث الحدود التي يصعب ضبطها والجماعات المسلحة المتعددة الأجندات التي ترسل من سوريا ومن دول الجوار انتحاريين مستعدين لقتل أنفسهم وقتل الآخرين معهم ظناً منهم أن الحور العين والغلمان المخلدين ينتظرونهم في الجنة!!
فندق «دي روي» القابع على تلة في منطقة الروشة ببيروت كان على موعد مع واحد من الانتحاريين الذين يقال إن منهم 14 شخصا مستعدون لتفجير أنفسهم إذا جاء الأمر لهم. في لحظة مداهمة الانتحاري فجر نفسه وقتل وجرح عديدًا ممن كانوا في الفندق. ربما يكون هذا التفجير قد وجه ضربة قاصمة للموسم السياحي الذي لم يبدأ بعد بسبب دخول شهر رمضان الكريم في ذات الوقت الذي بدأت فيه إجازة الصيف، لكن الفنادق والقطاع السياحي على وجه العموم قد منى نفسه بموسم جيد بعد رمضان فجاء الانفجار ليقضي على جزء كبير من هذه الآمال. شكل هذا جزءا من تقويض الموسم السياحي الذي يعتمد عليه لبنان. أجزاء أخرى تزيد الضرر على السياحة مثل التفتيش الذي حصل في بعض فنادق منطقة الحمراء، والحديث عن استهداف مدير الأمن إبراهيم عباس في تفجير سابق في البقاع زاد من المخاوف والهواجس، رغم المعلومات التي كانت بحوزة الأجهزة الأمنية التي مكنتها من القيام بضربات احترازية ومهاجمة الانتحاريين في مناطق وجودهم وحصر الخسائر البشرية والمادية في أضيق نطاق، كما هو الحال مع تفجير الضاحية الذي كان يستهدف العشرات ممن كانوا يشاهدون مسابقات كأس العالم لكرة القدم في أحد المقاهي، فقد تم اكتشاف الانتحاري لحظة بدئه في تنفيذ مخطط التفجير.
المعضلة التي يتداولها اللبنانيون تتمثل في الحاضنة التي يبحث عنها الانتحاريون، ويؤكدون أن بعض الجماعات في المخيمات الفلسطينية قد تكون أرضاً خصبة قادرة لاحتضان هؤلاء والزج بهم في أتون معركة لن يكون فيها رابح. هذا الهاجس ينطلق من الحالة غير الإنسانية التي يعاني منها سكان المخيمات، خصوصاً في الجانب المعيشي وضنك العيش. قرب هذه المخيمات من التجمعات السكانية قد يسهل التحرك منها وإليها، بل وافتعال بعض الشرر المؤدي إلى إشعال المعارك والاحتراب، نظراً للظروف الإقليمية التي تعيشها المنطقة، وارتفاع صوت التجزئة والتفتيت لما هو مفتت أصلاً، والتنظير لدويلات الطوائف التي ليس لها مقومات للحياة سوى استمرار حمام الدم والتفجير وتدمير الأوطان.
حتى الآن فإن ضبط النفس هو العنوان الواسع الذي يمكن ملاحظته إزاء التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة نظرًا للوعي بأن عملية الاستدراج لها من المخاطر الكبرى التي يمكن استيعابها وامتصاصها وتقليل خسائرها وتبعاتها إلى الحد الأدنى بدلا من الغرق في اقتتال لا يعرف أحد مستوى خواتيمها التدميرية. الأخطر هو محاولة توريط المخيمات الفلسطينية في إشعال الفتنة الطائفية والمذهبية، ما يفرض وعيا مضاعفا ويقظة وضبطا للنفس ونزع فتيل الانفجار قبل حدوثه. وهذه مهمة ليس من السهل إنجازها، خصوصا في ظل الطبيعة القاسية التي يعيشها سكان المخيمات التي يقع بعضها على تخوم الضاحية الجنوبية من بيروت.
لبنان يدخل في استحقاقات أمنية وسياسية إقليمية مفروضة عليه وأخرى داخلية يؤثر الخارج في صياغة حلولها وربما يفصل فيها، وفي مقدمتها الاستحقاق الرئاسي، الذي دخل مرحلة حرجة وانسداد عطل انتخاب رئيس جديد بعد انتهاء الفترة الرئاسية لميشيل سليمان. هذا الوضع قاد العماد ميشيل عون أحد الأسماء المرشحة للمنصب المسيحي، إلى إطلاق مبادرة طالب فيها انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب بدلا من مجلس النواب، ما أثار عليه خصومه الذين اعتبروا هذا التوجه انقلابا على اتفاق الطائف.
في المقلب الآخر، تحفر الأزمات المعيشية في الواقع الاجتماعي بعيدًا عن «الطائفية» ولو ببطء شديد. فقد بدأ المعلمون قبل عدة أشهر إضراباتهم لتحسين ظروف المعيشة وزيادة رواتبهم وتثبيتهم وهددوا بتعطيل العام الدراسي، إلا أن اتفاق اللحظة الأخيرة جعلهم ينظمون ويشرفون على امتحانات نهاية العام الدراسي مع أنه في الوقت الحرج. مطلب زيادة الأجور ليس محصورا في القطاع التعليمي بل يمتد إلى كل القطاعات الحكومية مثل بعض المستشفيات الحكومية لم تدفع أجور العاملين فيها كما هو الحال في مستشفى الكرنتينا، فضلا عن تردي الخدمات الصحية، بينما يفعل الغلاء والتضخم فعلته ليزيد من البطالة والفقر بانزياح أكثر من 200 ألف لبناني إلى ما دون خط الفقر، في حين تشكل البطالة نسبة 20 بالمائة، وارتفع الإنفاق الحكومي على الخدمات بمعدل 1.1 مليار دولار بسبب زيادة الضغط لوجود اللاجئين والنازحين السوريين، كله وغيره أثقل كاهل الميزانية العامة للدولة بنحو 7.5 مليار دولار، بينما يزداد الدين العام ليصل إلى أكثر من 63.5 مليار دولار في فبراير الماضي، وبالتالي ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 143 بالمائة، حسب صندوق النقد الدولي، علما أن الدين العام في 1993 لم يتجاوز 4.6 مليار دولار، وأن إعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي في 2006 قد أنجز بالمساعدات الخارجية، ما يضع الفساد المالي والإداري في دائرة السبب الذي أوصل لبنان إلى هذا المستوى المخيف من الدين العام.
ربما يكون الحديث قد تراجع في موضوع الدين العام وحل محله الخطر الداهم الذي تترقبه بيروت وتراقبه بجميع أجهزتها لإبعاد البلاد عما يخطط له بتفجير الساحة المحلية وتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما لا يتمناه أي محب للبنان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٤٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠٤-٠٧-٢٠١٤)