أنا أرفع الراية البيضاء، أنا أستسلم، لن أستمر في نقد إعلامنا العربي، لأنه ببساطة لا يحتاج إلى نقد بل «نقض».. بدأ رمضان وعرضت القنوات بضائعها وصار التلفاز كسوق خردوات وصناعات مقلدة، صراخ في كل زاوية، والشاطر من يجلب الانتباه أكثر، البرامج هي نفسها لكن إلى جانبها رقم يميزها عن السنة التي تليها، فلو فرضنا أن برنامجاً عُنوِن مثلاً بـ(تبن) ولاقى نجاحاً فهذا الـ(تبن) سيتكرر على غرار تبن1 وتبن 2 وتبن 13.. يقول المتنبي (الأفكار ملقاة على الطريق) وأقول واحسرتاه، وامصيبتاه، أي أفكار تتحدث عنها؟؟ هم لم يلتقطوا إلا خشاش وأوساخ الأرض.
ومع كل هذا التلوث الإعلامي، صدرت دعوات لمقاطعة بعض القنوات، وأقول يا من دعوت إلى المقاطعة، أنت «أخرق»!! إن ذائقتنا الفنية قد أعلنت المقاطعة لهم ولكم، يقول طه حسين عندما عوتب لعدم تطرقه للحديث عن بعض القصص والأعمال الفرنسية: «أنا لا أقرأ قصص التمثيل من حيث هي قصص، وإنما أقرأها من حيث هي غنية بما يغذو العقل أو يغذو الشعور أو يغذوهما معاً، ولا أكاد أتصور الفن الأدبي منفصلاً عن اللذة العقلية الفلسفية!!»، وأنا أقول يا حبيبي لقد انفصل فصلاً سيامياً ناجحاً، صار المهم ما تلحظه العين، لا ما يحسه القلب!!
الكوميديا تحتضر، ولا احترام للمشاهد، فهل يُعقل ونحن في هذه الطفرة الإعلامية أن يستمر نوع التقليد والمحاكاة والتندر على – مشاهير ومذيعين- ويظنون أنهم ملوك الفكاهة؟؟ والرومانسية لا تكتمل إلا بأرذل سيناريو بنكهة الخيانة والمجون، وبرامج المسابقات فهي تحتاج إلى عود ثقاب وبرميل بنزين..
أعزائي المنتجين وأصحاب القنوات..
أنا.. لا أريد أن أضحك، إضحاككم هذا يصيبني بالغثيان، لا أريد أن تثقفوني، لا أريد منكم شيئاً، دعوني في حالي، وجهازي التلفاز أعرضه للبيع، للبيع!! بل سأجعله هدية لأول شخص يطلبه من القراء..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٤٣) صفحة (٨) بتاريخ (٠٤-٠٧-٢٠١٤)