* عاش الشرق حرباً شرسة بينه وبين الصليبيين، الذين قاموا بالتوجه إلى المشرق بغرض احتلال بيت المقدس، وكانت وجهتهم مدينة الرها التي تمكنوا من احتلالها وتأسيس أول إمارة لهم في البلاد الإسلامية

ونحن نعيش أجواء شهر الخير والبركة وددت أن تكون مقالات هذا الشهر المبارك عن بعض المواقف التاريخية الشهيرة التي حدثت للمسلمين في بلاد الشام ومصر إبان الحروب الصليبية، خصوصاً ونحن نراقب بكل الألم الأحداث التي تعصف بالعالم الإسلامي، لذا كانت حاجة الأجيال الجديدة من أبناء وبنات المسلمين ملحة وماسة لاستحضار قيم تاريخنا الملهمة التي عبَّر عنها أسلافنا الأوائل في كافة المجالات خصوصاً في قوة المسلمين وتوحدهم دفاعاً عن دينهم وبلادهم على منهج قويم من الهدي وليس عدواناً، وقراءة التاريخ وخاصة ما قدمه الأوائل من إنجازات وبطولات وتحديداً في مثل هذه الأيام يشعرنا بالفخر والاعتزاز، وشهر رمضان يُعدُّ علامة فارقة في تاريخنا الإسلامي لكثير من التحولات المباركة للمسلمين منذ العصور الأولى على مستوى الأمة والفرد، ومن هذا المنطلق أحببت الكتابة في هذا الجانب لنعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء ونستقرأ الأحداث التاريخية المشرِّفة التي سطرها أولئك الأفذاذ.
عاش الشرق الإسلامي إبان العصور الوسطى حرباً شرسة بينه وبين الصليبيين وتحديداً في بلاد الشام ومصر، فقد قام الصليبيون في عام 490 هـ / 1097م بالتوجه إلى المشرق الإسلامي بغرض احتلال بيت المقدس وإقامة ممالك وإمارات صليبية لهم هناك، حيث تعددت أهدافهم من دينية واقتصادية وسياسية، وكانت وجهة الصليبيين إلى مدينة الرها وتمكنوا من احتلالها وتأسيس أول إمارة لهم في البلاد الإسلامية، ومن ثم تقدموا تجاه أنطاكية وهي الآن من مدن تركيا وقريبة من حدود بلاد الشام وتمكنوا من احتلالها بعد محاصرتها محاصرة قوية بعد تقاعس القوى الإسلامية آنذاك من سرعة نجدة أنطاكية والمحافظة عليها من السقوط، وبعد دخول الصليبيين أنطاكية استباحوا مَنْ فيها من المسلمين وقتلوا أغلب سكانها، وأسسوا ثاني إمارة لهم في البلاد الإسلامية، ومن ثم توجه الجيش الصليبي إلى هدفه الأساسي وهو احتلال بيت المقدس وكان لهم ذلك سنة 492م /1099م بعد محاصرته لمدة أربعين يوماً، وبعد سقوط بيت المقدس وباعتراف مؤرخي الصليبيين المرافقين لهم في هذه الحملة استباحوا المدينة وقتلوا أغلب سكانها من المسلمين دون رحمة أو شفقة.
ضج المسلمون في كل مكان بعد سقوط بيت المقدس في أيدي الصليبيين وتألموا من الانحطاط والضعف والهوان من زعماء المدن الإسلامية وخاصة خلفاء الدولة الفاطمية في مصر الذين لم يهبّوا لإنقاذ بيت المقدس من العدوان الصليبي، وكان الرأي العام الإسلامي مذهولاً من هذه الصدمة، وكان هناك بعض المحاولات لبث الحماس في نفوس الحكام وخاصة في عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد إلا أن ذلك لم يحرِّك ساكناً.
بدأت بوادر الجهاد الإسلامي تظهر شيئاً فشئياً، وخاصة عند بداية الربع الأول من القرن السادس الهجري عندما ظهر حاكم الموصل ويدعى (عماد الدين زنكي) وهو مؤسس الدولة الزنكية وتحديداً سنة 521 هـ/ 1127م وبدأ بمهاجمة الصليبيين وقيادة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، حيث تمكن في سنة 539 هـ من استرداد مدينة الرها من الصليبيين وكانت هذه الضربة القوية بمنزلة بداية استرداد العزة والشرف للمسلمين في بلاد الشام، وما لبث أن قُتل عماد الدين زنكي على يد خادمه سنة 541 هـ/1146م، وفرح الصليبيين بمقتله فرحاً، وأطلقت البشائر في جميع المدن التي يُسيطر عليها الصليبيون، إلا أن هذا الفرح لم يدم طويلاً لأن ابن عماد الدين وهو(نور الدين محمود زنكي) أكمل مهمة والده في الاستمرار بالجهاد ضد الصليبيين، بل كان أشرس من والده في جهاده ضدهم، وسخَّر نفسه ووقته وأوقافه وماله في محاولة طرد الصليبيين من بلاد الشام، حتى أنه أوقف مكافآت خاصة لمن يقبض على أي من قادة الصليبيين المؤثرين ويأتي به إليه، فبدأ بعض من التركمان الترصد لقادات وزعماء الصليبيين أثناء تنقلاتهم أو ذهابهم للقنص أو التنقل من مكان إلى آخر والقبض عليهم وإحضارهم لنور الدين الذي يكافئهم بالأموال الجزيلة، وكان يسجن أولئك الزعماء حتى يفدوا أنفسهم بمئات الأسرى المسلمين المأسورين لديهم، وفي سنة 564 هـ/1168م تمكن نور الدين من ضم مصر إليه عن طريق قائده الكردي (شيركوه) والقائد (صلاح الدين الأيوبي)، حيث تمكن صلاح الدين الأيوبي بعد ذلك من إنهاء الوجود الفاطمي بمصر إلى الأبد، وبضم مصر تبدلت موازين القوى بين المسلمين والصليبيين، حيث كان مشروع الجهاد الإسلامي لنور الدين زنكي هو ضم دمشق مع حلب ثم السيطرة على الموصل وبعدها ضم مصر ليصبح لديه جبهة إسلامية قوية يستطيع بها مجابهة الصليبيين إلا أنه توفي سنة 569 هـ/1174م وبدأ صلاح الدين الأيوبي بإكمال مشروع سيده نور الدين الجهادي ضد الصليبيين وكان له ذلك.
تأخر صلاح الدين في مواجهة الصليبيين بسبب رغبته بإعادة الجبهة الإسلامية من جديد تحت سيطرته لأن ابن نور الدين زنكي (الملك الصالح) استقر في حلب فسارع صلاح الدين سنة 571 هـ /1174م بالسيطرة على دمشق وضمها له، بدأ صلاح الدين بمهادنة الصليبيين في هذه الفترة لأنه لا يريد الدخول معهم في قتال حتى يوحد جبهته الإسلامية، فتمكن من ضم الموصل بعد جهد كبير، وفي سنة 579 هـ/1183م استطاع أن يأخذ حلب من الزنكيين بعد وفاة الملك الصالح، وبهذا تكونت لديه جبهة إسلامية، كما كانت لدى سيده نور الدين، وفي سنة 583 هـ/1187م حدثت موقعة حطين الكبرى التي تمكن صلاح الدين الأيوبي فيها من هزيمة الصليبيين هزيمة نكراء وأسر جميع ملوكهم وأمرائهم الذين مثلوا أمامه وفي مجلسه وأمنهم إلا واحد من قادتهم ويدعى «أرناط» لأن صلاح الدين قد أقسمإ أن قبض عليه ليقتلنه بسبب أنه قد سب النبي وخان العهد بنقضه للهدنة التي بينه وبين صلاح الدين فقتله صلاح الدين بيده براً بقسمه، وكانت هزيمة الصليبيين في حطين قد زلزلت أوروبا بكاملها، حيث دعوا إلى حملة صليبية كبرى تعيد الأماكن التي استردها صلاح الدين وخصوصاً بيت المقدس، لأن صلاح الدين بعد انتصاره في هذه المعركة بدأ باسترداد المدن الإسلامية التي احتلها الصليبيون من قبل ومنها: عكا وعسقلان وبيت المقدس، ولم يبق للصليبيين سوى مدينة صور وبعض المعاقل الصغيرة.
توجهت الحملة الصليبية الثالثة من أوروبا إلى بلاد الشام بقيادة ملوكهم «فرنسا وألمانيا وبريطانيا» وكان الذي واصل القتال ضد المسلمين هو ملك بريطانيا «الملك ريتشارد» المعروف بقلب الأسد، حيث قدم إلى بلاد الشام وتمكن من احتلال عكا وذبح من فيها من المسلمين، حيث نفذ مذبحة جماعية في تل العياضية بعكا في ثلاثة آلاف مسلم على مرأى من صلاح الدين وجيشه، لأنه كان يفصل بينهم وبين الصليبيين البحر ولم يتمكن صلاح الدين من إنقاذهم، فاغتمَّ صلاح الدين غماً شديداً وأمر بذبح أي أسير صليبي يقع في أيدي المسلمين فوراً دون الرجوع إليه نصرة لمن تم قتلهم من المسلمين في عكا، دارت حروب طويلة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد أنهكت الطرفين بعدها بدأ الطرفان يسعيان للصلح، فكان الملك العادل أخو صلاح الدين هو من قام بمهمة مقابلة ريتشارد لعقد الهدنة معه واستمرت المراجعات والتباحث بين المسلمين والصليبيين حتى تم الاتفاق على بنود وصياغة الهدنة التي أعلنت في عام 588 هـ /1192م وسميت تلك الهدنة «بصلح الرملة» حيث تُعد هذه الهدنة من أشهر الهدن التي تمت بين المسلمين والصليبيين في ذلك الوقت، وكان من أهم بنود الهدنة: بقاء القدس بأيدي المسلمين مع السماح للمسيحيين بحرية الحج إلى بيت المقدس في أي وقت شاءوا، ويكون للصليبيين المدن الساحلية من صور إلى يافا، وتكون مدة الهدنة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.
وكان الأثر السياسي لهذه الهدنة هو فشل الحملة الصليبية الثالثة في تحقيق هدفها وهو الاستيلاء على بيت المقدس مرة ثانية، وساد الفريقان الفرح والسرور وعادت الحياة إلى طبيعتها في بلاد الشام بالتبادل الاقتصادي والمنافع التجارية فيما بين مدن الشام ومصر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٤٤) صفحة (١١) بتاريخ (٠٥-٠٧-٢٠١٤)