يحمل في ذهنه كثيراً من النظريات الإدارية التي استفادها من دراساته التخصصية، ويُخبئ جمرة الإبداع، ويطمح أن يُحدِث فعلاً تطويرياً، لاسيما أن المناخ العام – في المؤسسة التي سيعمل فيها- يشي بكثير من التباطؤ والانفصال في منظومة العمل، إذ إنها – أي المؤسسة- في شكلها العام عبارة عن هيكل واحد، أما في مضمونها فهي عبارة عن إدارات صغيرة منفصلة عن بعضها تشبه قارباً يحمل ألواحاً من الفلين عتت عليه الأمواج، وفرَّقته في اتجاهات مختلفة. يحمل هذا الشاب حزمة من الآمال العريضة، وأول مشروع يلتمع في ذهنه هو المطالبة بتشكيل فريق واحد يجمع المفرَّق، ويسدد المثقَّب، كخطوة إدارية مهمة، متيقناً أن العمل بروح الفريق يُعد أحد أهم أساسيات النجاح لأي عمل كان، حمل أجندته بكثير من الزهو والثقة والإخلاص، ودخل باب المؤسسة من أوسع أبوابها – مستعيناً بالله- وأثناء سَيْره راق له التدقيق في كل التفاصيل، ووقتها كان يشعر بضخامة المهمة، وعظم المسؤولية.
وأول فكرة طرأت عليه كانت إدارة القسم الذي شاع عنه بطء الإنجاز، وخمول العمل، وكثرة التسرب، وغيرها مما يحزُّ في النفس، عازماً تخليص التروس الصَّدِئة مما أصابها، وكان همه تطبيب الأمراض الإدارية المزمنة، ومسح المرايا وتنظيفها من الغشاوة، لأن طموحه ليس في تسلُّم مهمة في مكان يسير العمل فيه بشكل متميز، بل كان حرصه على أن يعمل في مكان يُحدث فيه تغييراً نحو الأفضل، وحتى يثبت جدارته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، سعى لربط إدارته بالإدارتين السفلى والعليا تحقيقاً لمنجز، وتيسيراً للعمل، وتلبية لرغبات المستفيدين.
ومن أول اجتماع ضمَّ رؤساء الأقسام بالمدير العام اقترح تشكيل فريق لدراسة أسباب المشكلات المزمنة التي تعاني منها المؤسسة، وقوبل اقتراحه بالإهمال من المسؤول الأول، بعد أن سمع عبارات الإطراء من غالبية الموظفين، بأن كل شيء تمام «يا ريس»، فيما لُجِّمت أفواه الآخرين بالصمت، وخرج من الاجتماع بنصف الحماس، والباقي تركه تحت طاولة المدير، ورغم الصدمة الأولى له في بداية عمله، إلا أنه وضع في اعتباراته أن هناك عقبات سوف يقابلها يجب تجاوزها، مؤملاً أن العقبة الكؤود لربما تصبح سهلة بالإقناع والشرح والتبسيط، إلا أن آلية العمل استمرت باهتة ضعيفة مملة، وخرج بملاحظتين، أولاً: الكفاءات الجيدة ما كان لها أن تصبح بهذا المستوى الهزيل لولا مناخ العمل المثبِّط، ثانياً: هيمنة الموظفين الذين يمارسون الوشاية ونقل الأخبار بهدف التقرب والتسلق وصولاً إلى مواقع إدارية مرموقة، لمعرفتهم بضعف كفاياتهم الإدارية، فهم ليسوا أهلاً للعمل الناجز.
أدرك صاحبنا أن تلك الأماني التي كان يحملها في ذهنه، وأن العمل الإبداعي الذي يتوق لتحقيقه، وأن كثيراً من النظريات القيادية في مناخ كهذا، لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر، في جو يسود فيه المتزلِّفون، وينصاع له المستبدُّون. وبعد محاولات يائسة وجد نفسه مطروداً خارج المبنى، بحجج تم تركيبها عليه بأنه مناوئ للمدير، ولا يحمل رؤية واعية، ويسبب – لسوء فهمه- المشكلات التي تعيق ديناميكية العمل.
توصل الشاب إلى استنتاجات بأن كثيراً من الكفاءات الجيدة تُطمَر تحت ركام الإدارتين البيروقراطية والتسلطية، وأن الإدارة العليا المتشبعة بهذا المفهوم تُسرُّ لذلك ولا تودُّ أن يكون هناك تطوير، والهاجس الأهم هو البقاء على الكرسي أطول فترة زمنية ممكنة، وخرج هذا الشاب الطموح الذي كان يحمل حلماً جميلاً بأن خلاصة تجاربه ودراساته وأبحاثه ما هي إلا براويز باهتة يمكن أن تعتلي الجدران المهملة، وأن التغيير والتطوير في المؤسسات التي اعشوشبت فيها الإدارة المهترئة، لن يغيرها موظف بائس مهما كان يحمل من وعي وإخلاص ومثابرة، بل الاحتياج إلى قرارات مهمة في وضع الموظف المناسب في المكان المناسب، ولا يمكن أن يَحدُثَ تغييرٌ في المؤسسة دون اختيار دقيق للقائد، فهو الذي يستطيع أن يقود السفينة بكل اقتدار، أو يوجهها نحو أمواج عاتية ودوامات مميتة، القيادة ليست وجاهة بل هي فكر وإدارة ووعي وتواصل وتضحية وقدرة على المبادرة وحل المشكلات مع تحفيز المرؤوسين للمشاركة في صنع القرار.
بعد مرحلة الفشل الأولى حاول الشاب الطموح أن يعيد تنظيم أوراقه لمحطة إدارية ثانية لعله يجد مناخاً صحياً مناسباً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٤٦) صفحة (١١) بتاريخ (٠٧-٠٧-٢٠١٤)