* كأن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة كمهزلة وإهانات متتالية، لم تعد إسرائيل لأغلب الدول العربية كياناً استيطانياً يريد اقتلاع الشعب الفلسطيني، وإحلال المستوطنين في البيوت التي يتم التهجير منها، بل تحولت إلى ملاذ آمن لبعض الأنظمة تطلب رضاه وتسعى إلى عقد الصفقات معه

لعل واحداً من أبلغ المشاهد دموية ومأساوية تلك الصورة التي وزعتها وكالات الأنباء وفيها رجل يحمل جثة طفله بعد غارة صهيونية على قطاع غزة حصدت عشرات من الشهداء والجرحى والمنازل المهدمة على رؤوس البشر وهم أحياء. تلك الصورة ليست سبقاً إعلامياً كما هي صورة الطفل محمد الدرة في نهاية القرن الماضي الذي قتل بدم بارد وهو في حضن والده، بل هي صورة من آلاف الصور التي انتشرت جنباً إلى جنب مع دموع البرازيليين وهم يتلقون إهانة كروية تاريخية على يد رجالات الماكينة الألمانية. صور المونديال مساء الثلاثاء والتعليقات على المباراة بطأت الإنترنت بسبب التزاحم العربي على التعليقات الكروية ونقل كثير من صور الانهيار العصبي الذي أصاب الجمهور البرازيلي بعد تلقيه الأهداف المتتالية وانهيار فريق السامبا لدرجة الشفقة التي قادت أحد أعضاء الفريق إلى البكاء أمام الشاشات والاعتذار للشعب البرازيلي لأنه لم يدخل الفرحة في قلوبهم.
هذه المشاهد ليست غريبة على الجمهور العربي وأنظمتها السياسية المشغولة بأوضاع داخلية متأزمة اختلط فيها الحابل بالنابل وسفكت فيها كثير من الدماء. ففي صيف العام 1982 وبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف بيروت وضواحيها وتلقي القنابل الفراغية على مباني المواطنين المدنيين لإحداث مزيد من القتل والدمار، كانت بعض الكوادر «المناضلة» تتفرج على مونديال كرة القدم في أحد الفنادق الراقية بمنطقة الحمراء في بيروت وتتفاعل مع الأهداف والهجمات الكروية بحماس شديد يفوق أزيز الطائرات الحربية الإسرائيلية في ذلك الحي السياحي العريق. كنت أراقب مشهد الكوادر المنفعلة كرويا من شرفة شقة مقابلة للفندق الذي كانت تسكن فيه تلك الشخصيات «المهمة»، عندما كنت أزور عائلة بحرينية صديقة مقيمة في بيروت وبقيت أثناء الغزو الصهيوني فيها. سألتني سيدة البيت بتهكم وغضب: هؤلاء الذين تدافع عنهم؟ أليس من المفروض أن يكونوا في الجبهة لمواجهة الغزاة؟. لم أجب على أسئلتها الغاضبة، لكن السؤال يقفز مرة أخرى مع مونديال 2014 في البرازيل ويفجر مزيداً من الأسئلة بعد اثنين وثلاثين عاما من مونديال إسبانيا الذي فازت بكأسه إيطاليا على ألمانيا الغربية. كانت بيروت حينها تدنس بالأقدام الهمجية التي اقتحمت الجنوب اللبناني لتصل بسرعة البرق إلى مشارف الضاحية الجنوبية، بعد أسبوعين من اقتتال داخلي تم فيه دك صيدا القديمة بالمدفعية الثقيلة وسالت فيه دماء الإخوة بغزارة فرضت على الأهالي طلب النجدة من الشيطان ليخلصهم من جحيم من يفترض أنهم أشقاء.
ثلاثة عقود ونيف من الغزو الصهيوني الذي جاء بعد شهرين من انسحاب جيش الاحتلال من شبه جزيرة سيناء وبدء التطبيع الفعلي بين تل أبيب والقاهرة في عهد الرئيس المصري المعزول حسني مبارك، تنفيذا لاتفاقية كامب ديفيد التي وقعت في مارس 1979، إذ لم يُعِد جيش الاحتلال جنوده إلى ثكناتهم بل وجههم إلى جبهة الجنوب اللبناني التي كانت ترزح وقتها تحت الاحتلال بيافطة جيش لبنان الجنوبي العميل بقيادة سعد حداد ثم أنطوان لحد.
كأن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة كمهزلة وإهانات متتالية تتعرض لها الأمة العربية في مختلف أقاليمها الجغرافية. فلم تعد إسرائيل بالنسبة لأغلب الدول العربية كيانا استيطانيا يريد اقتلاع الشعب الفلسطيني من جذوره ومن أرضه وإحلال المستوطنين القادمين من أقاصي الأرض في البيوت التي يتم تهجير الفلسطينيين منها، بل تحول هذا الكيان إلى ملاذ آمن لبعض الأنظمة تطلب رضاه وتسعى من تحت الطاولة وفوقها إلى عقد الصفقات الأمنية والعسكرية معه بعد أن شرع في إنجاز المكاتب التمثيلية والتجارية مع جيش احتلال أغلب قياداته من العصابات التي كانت الأمم المتحدة وبريطانيا تطاردها منذ أربعينيات القرن الماضي باعتبارها قيادات مطلوبة للعدالة بعد ارتكابها جرائم القتل والتنكيل بالشعب الفلسطيني الأعزل. فغزة التي يصب الاحتلال على رؤوس أبنائها حمم القذائف والغارات الليلية والنهارية المنبثقة من حالة الحقد والكراهية والرغبة الجامحة لإراقة الدماء والقتل بدم بارد، تقف اليوم شامخة في وجه العدوان، بينما يعاني الوضع الداخلي في بلدان العرب الأمرين.
غزة اليوم تحت الحصار والعدوان الهمجي والضفة الغربية تنتفض لروح الفتى محمد خضير الذي أحرق حيا على أيدي قطعان المستوطنين الصهاينة الذين يطربهم سفك الدم العربي على أيديهم وبأيدي العربان في العواصم العربية التي أضحت مستباحة في أغلبها، حيث يشطب فيها الرأي الآخر بذرائع لا تقنع طفلاً في الابتدائي ويمارس فيها القتل خارج القانون بدعوى الدفاع عن النفس والتمثيل بالأجساد حية وميتة دون أي واعز أخلاقي أو ديني أو إنساني، بل إن بعضهم فر إلى مخارج روج بعضها بفتاوى بعيدة عن الدين الحنيف وبطرق مقززة شتى مفادها «فليذهب الفلسطيني هو وربه ويقاتلا إنا هنا قاعدون متقاتلون ننفذ ما عجز عنه الصهاينة!!».
رغم كل ذلك فإن غزة التي تتصلب جبهتها الداخلية بوحدة فصائلها المقاتلة في وجه العدوان، وتمكنت من إثارة الفزع والقلق لدى الصهاينة ورئيس حكومتهم الإرهابي نتنياهو الذي لم تتمكن قببه الحديدية من صد أغلب الصواريخ التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية على مدن الكيان ومستوطناته، بما فيها تل أبيب، وهو تطور نوعي في قدرة المقاومة الفلسطينية على ضرب الصهاينة في أكثر الأماكن التي يعتقدون أنها آمنة، ما يعيد، ولو بعض الشيء، البوصلة إلى اتجاهها الصحيح نحو كيان لا يعرف سوى الاستئثار والسيطرة على كل البلدان العربية التي يريدها دويلات طائفية تقاتل بعضها بعضا. طوائف ودويلات تدعي أنها الفرقة الناجية التي لايأتيها الباطل من أمامها أو خلفها أو من بين جنبيها.
لم يكن العدوان على فلسطين، بقطاعها وضفتها الغربية وأراضيها في الـ48، أن يتم لو أن بلاد العرب محصنة بوحدة داخلية قوامها العدالة والمواطنة المتساوية، كما هو الحال في دول النمور الآسيوية والدول الإسلامية التي تخوض بعضها الآن انتخابات نيابية ورئاسية وتسعى لتنمية إنسانية شاملة. لكن ما يحصل اليوم في الشوارع العربية وفي قطاع غزة والضفة ليس سوى نتاج لسياسة الإقصاء والتهميش ومصادرة حقوق الآخرين والاستيلاء على الثروات الوطنية للبلدان العربية ما قاد إلى الفقر والعوز والمرض والبطالة والتخلف الاجتماعي والسياسي وبالتالي الانحراف والتطرف.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٥٠) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠٧-٢٠١٤)