* التنامي السريع الذي حدث في كلٍّ من أمريكا واليابان وبعض الدول الأوروبية، ما هو إلا نتيجة التطبيق الصحيح للنظريات الإدارية الحديثة

بعد التجربة الفاشلة التي وقع بين فكيها، بدأ الشاب الطموح يتساءل عن صانع هذه البيئة العملية المتوترة، هل هي نتاج لإجراءات المدير المبنية على الأوهام؟ بأنه المدير الفذ الذي ينبغي على موظفيه الانصياع لقراراته، حيث أنه هو المخول بالتوبيخ والسخرية والحسم والتنغيص والمحاباة، أم إن الخلل في الموظفين أنفسهم حيث وفَّروا هذا المناخ العملي غير السليم بتزلُّفهم وضعفهم وانعدام ثقتهم في أنفسهم؟، حاول الشاب الطموح الوصول إلى حلول لهذه المشكلات الإدارية المزمنة وصولاً إلى استنتاج يهديه لما آل إليه جو العمل التعيس، مندهشاً من رضوخ الموظفين وخنوعهم لهيمنة المدير، متسائلاً عن الأسباب التي تدفعهم لصناعة شخصية مستبدة لا تخدم العمل بل تعيقه، ووقف حائراً بين خيارين إما الانصياع كزملائه والخضوع التام لكل الأوامر والنواهي والتوبيخ، أو يتخذ المسار الأصعب ليس في المناكفة أو المعارضة بل في الحوار المنطقي الذي يخدم العمل ولا يخدم الأشخاص، إلا أن ذلك من منظور المدير تحدٍّ لشخصه وتقليلٌ لمكانته، حتى وضعه -المدير- تحت مجهر المساءلة الدائمة، وتلسكوب المراقبة، كي يجبره على الانضمام مع القطيع، كان يتوقع الشاب الطموح أن يجد مناخاً مختلفاً عن الإدارة التي عمل فيها سابقاً، إلا أنها مع الأسف كانت إدارة مستنسخة تماماً، ولربما هي الأكثر شيوعاً، وظل حائراً مشلول التفكير مرتبكاً منتظراً الباب الذي سيخرج منه كما حدث له في المرة الأولى.
هذا نموذج بائس لبعض البيئات العملية بسبب إجراءات الإدارة غير الواعية التي تزيد بطبيعة الحال من تضخيم الشخصيات البالونية للمديرين، وتشجعهم على الاستمرار في أساليبهم التي لا تمتُّ للإدارة الحديثة بصلة، ومع التعود وخنوع الآخرين يصاب بداء العظمة، ومرض الوهم الزائف بأنه فوق الأخطاء وفوق المحاسبة، أما موظفوه فلابد أن ينصاعوا وينقادوا وإلا لما أصبحوا مرؤوسين، هذا المناخ الذي يعيق العمل، ويقلل الإنتاج، ويخلق أجواءً غير صحية.
أدرك هذا الشاب أن التنامي السريع الذي حدث في كل من أمريكا واليابان وبعض الدول الأوروبية، ما هو إلا نتيجة التطبيق الصحيح للنظريات الإدارية الحديثة، التي تركز على بناء الثقة والمهارة والحذاقة وتوفير الألفة والمودة والتشجيع على العمل الجماعي تجاه الآخرين وكذلك اتجاه العمل، وخلق بيئة اندماجية متكاملة بين الإدارة والعاملين، وصولاً إلى أهداف محددة وواضحة، وبدأ في المقارنة غير المتوازنة بين المؤسسة التي يعمل فيها وبين تلك التي تُطبق في الدول المتقدمة لعلَّه يصل إلى حلول وسطية، وجد أن النظريات المبتكرة هنا لا يمكن أن تُطبق في أجواء يشوبها الضبابية، وانعدام المساءلة، والتسلط وو..
بالإدارة الواعية وتطبيقاتها السليمة يمكن أن ترتقي الأمم وتصل شأواً عظيماً، وبالإدارة الخاملة المتناقضة يمكن للمجتمعات أن ترسف في القاع، ومع الأسف نجد أن بعض المديرين يظنون أن المؤسسة ملك لهم، فتجدهم يتخذون القرارات التي لا تخدم مصلحة العمل بقدر ما تخدم أشخاصهم، وبهذا تنعدم المساواة ويزيد التوتر ويقل تحمل المسؤولية ويتراخى العمل ويقل المنتج.
ولمَّا يئس هذا الشاب الطموح أخذ الأوراق التي تخصه وخرج بهدوء من الباب الواسع قبل أن يُتخذ القرار بطرده، مؤملاً أن يجد المناخ العملي المناسب ولربما يجد ذلك في الأحلام الوردية..
فاصلة:
يبدو أن الهدف غير واضح لدى معد ومخرج ومقدم برنامج «حروف وألوف» فمن خلال الحلقات الفائتة ألحظ أن المقدم محمد الشهري صاحب الابتسامة الدائمة الذي يغلب عليه الكرم الزائد، لأنه لن يخسر من جيبه مليماً واحداً، المتصلون هم الذين يغدقون على ميزانية البرنامج من خلال اتصالاتهم ورسائلهم المتعوب عليها مادياً، لذا لا يفتأ في التصريح أو التلميح عن الإجابة نيابة عن المتصلين ويترك لهم الصراخ مع أفراد أسرهم، ليعبروا عن فرحتهم بالجائزة أو المال المعطى لهم، ولا يمنع بعدها الاستعراض بالسيف مع الفرقة المصاحبة، أما أساريره فتكون أكثر انفراجاً حين يكون الاتصال من خارج السعودية لكي يقال إن البرنامج عربي ودائرته واسعة من الخليج للمحيط، ولمّا كان البرنامج بهذه الطريقة المسطحة اقترح تغيير مسماه إلى «يا سلام عليك روح.. حلوين».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٥٣) صفحة (١١) بتاريخ (١٤-٠٧-٢٠١٤)