وفرة الأمطار وخصوبة التربة سببان رئيسان في استقرار السكان على هامات جبال السروات بدءاً من الطائف وصولاً إلى الباحة وأبها، وأدى ذلك إلى نشوء آلاف القرى، ففي منطقة الباحة وحدها ما يقارب 600 قرية منتشرة في تهامة والبادية والسراة، ومادة البناء المستخدمة في الماضي هي الأحجار التي قُدت من الصخور وأخشاب العرعر التي قُطعت من الغابات التي تكسو الجبال، وكانت القرية القديمة ذات النمط المعماري التقليدي إلى وقت قريب تمثل مجموعة من المنازل متشابكة جدرانها وأسقفها تتوسطها باحة صغيرة كسوق يتبضع فيه الأهالي وعلى مقربة منها يبنى حصن عال تحتمي به القرية عند نشوب الحرب في الماضي، إلى جانب وجود المسجد وهو النواة الحقيقية في نشوء تلك القرى، فضلاً عن الطرقات الداخلية، وبهذا التشكيل تعتبر وحدة اجتماعية ودفاعية متناغمة، ومع التنامي الحضاري الذي تشهده بلادنا تضاءلت الوظيفة الزراعية، حيث اتجه الكثيرون إلى الوظائف الحكومية تاركين الزراعة، ولربما قلة المردود المادي من جراء المنتج الزراعي فضلاً عن مشقتها مقارنة بغيرها من الأعمال المكتبية، ولم يتوقف عند هذا الحد بل زحف العمران الحديث على تلك المصاطب الزراعية لتنسلخ القرية من نمطية البناء التقليدي إلى أسلوب عصري حديث باستخدام الإسمنت والحديد ومواد البناء الأخرى. ومواكبة مع هذا التحديث السكني أصبح لزاماً على الأهالي ترك وهجران المباني القديمة لعدم توفر الخدمات الحياتية التي يحتاجها الفرد من أنابيب مياه وخدمات هاتفية وصرف صحي وغيرها، فاتجهوا إلى ملكياتهم الزراعية سواء في قمم الجبال أو السفوح أو بطون الأودية الأمر الذي جعل العمران ينتشر وبشكل غير منظم، بل أحياناً بشكل مقزز نتيجة لإهمال مباني القرية القديمة التي نخرت عظامها عوامل التعرية، فأصبحت جدرانها متهدمة، وأخشابها متحطمة، وأبوابها ونوافذها مخلوعة، ولم يعد يُهدّئ من سكونها سوى عويل الرياح ونعيق الغراب.
وانتقال الإنسان إلى منازل حديثة – أمر محمود – ولكن يتطلب التخطيط والتنسيق المسبق بتدخل حازم وسريع من الأمانة والبلديات في أرجاء المحافظات، لبناء مجمّعات سكنية مناسبة بدلاً عن البعثرة العمرانية التي كانت وما زالت على حسابي المدرجات الزراعية والناحية الجمالية، فالزائر إلى الباحة قد يُصاب بشيء من الدهشة عندما يشاهد منازل متناثرة على قمم وسفوح الجبال، وهذا التباعد والتنافر يضاعف في تكلفة قيمة الخدمات الحضارية التي يحتاجها السكان من كهرباء وهاتف وطرق ومياه وغيرها.
والأنماط السكنية في الباحة تأخذ جميع الأشكال تقليدية وحديثة سواء فلل عمائر وإن كانت المساكن التقليدية تمثل ما يقارب 35% إلا أنها في حالة إنشائية رديئة وتتطلب صيانتها وتزويدها بالمرافق المناسبة وترميمها من أجل الحفاظ عليها كمعالم بارزة من معالم التراث في المنطقة، ولتعزيز القيم الجمالية، سيما أن منطقة الباحة ذات جذب سياحي وعلى مدار العام صيفاً وشتاء، وحلاً لهذه الإشكالية اقترح ما يلي:
– إقامة مخططات سكنية في مواقع جغرافية مناسبة مع توفير الخدمات الصحية والثقافية والتعليمية والسياحية والطرق المعبدة.
– تدخل المكاتب الهندسية بوضع تصاميم عمرانية تتناسب وتتواءم مع أشكال المنازل القديمة (العناصر المعمارية) واستنباط خصائص أخرى، ليصبح لمنطقة الباحة خصوصية فريدة دعماً للسياحة وتصعيداً لحركة النمو.
– الحفاظ على سلة الغذاء المتمثلة في المصاطب الزراعية خشية استمرار المد العمراني عليها وتقليص مساحاتها.
– الحفاظ على النسيج الاجتماعي للسكان عند التخطيط بمراعاة النواحي الاجتماعية والثقافية والتراثية والعادات.
– التأكيد بأن عشوائية البناء سبب رئيس في صعوبة توفير الخدمات التي يحتاجها المواطن فليتعاون الجميع في وضع ضوابط تنموية استثماراً لطبوغرافية المنطقة – ذات الطبيعة الجبلية – وفق أساليب عصرية حديثة تلبي الحاجة وتدعو للاكتفاء وتحقق انسجاماً في الشكل العام..
– مشاركة وسائل الإعلام في إبراز تلك العناصر الجمالية وتوظيفها في المساكن الجديدة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٦٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٢١-٠٧-٢٠١٤)