أتى العيد… موسم الأثواب والهدايا واللعب، ولقاء الأحبة في مهرجان الفرح السنوي الإسلامي، الذي ينتظره الصغار وعيونهم تلمع ككل النجوم بلهفة الانتظار لمساحات الفرح، والعيديات «غنائم الصغار» من الأعياد.
ولكنه جاء مختلفاً هذا العام على أطفال غزة، الذين اشتروا أكفانهم البيضاء وتخضبوا بدماء الشهادة واختاروا أعياد السماء، حينما انشغل العالم بأعياد صغارهم، يرقدون في انتظار طائره الفسفوري وهم يخبئون ثياب العيد تحت وسائدهم وينتظرون «هطول الصباح»، ليأخذوا عيدياتهم ويخبئونها في حصالاتهم التي تنتظر العيد بفارغ الصبر، بينما يعيش ما تبقى من أطفال غزة ويلات الحنين لأسر لم يبق منها سوى بقايا من بقايا ركام، أو بعض أشلاء بقيت لتدلل على استشهاد أصحابها، وعلى أنهم في لحظة تركوا متاع هذه الدنيا إلى عالم الخلود.
إنه عيد مختلف، تشتعل فيه السماء بالغارات الإسرائيلية في ترفيه استثنائي، وألعاب نارية تتدلى من سقف السماء لترتجف لها قلوب الصغار الذين لا يكف سؤالهم عن طلب إجابة مقنعة لعيد بلا عيد، بلا حلوى، بلا آباء ولا أمهات، بلا منازل ولا أخوة ولا أخوات، لعيد يتيم معبأ بالبارود، وحكايات حرب شرسة قادها جبناء القوة في العالم والمتصهينون، ليقتلوا الأطفال وهم يباهون العالم بنصر كاذب لبساطير الجند التي داست على حكايات الطفولة في غزة، وأشعلت النيران في ثياب الصغار، وحولت منازلهم البسيطة إلى مدافن لسكن أبدي يرتاحون فيه من شكوى الفقر والجوع والحصار، يخرجون فيه من سجنهم الكبير إلى رحمة الله.
سألت نفسي عن حداد الشوارع على فقدان ساكنيها، وعن الأرض التي ضمَّت آلاف الشهداء بين أنقاضها، وعن الباقين من هذه الأسر، الذين تمنوا أن ينالوا عيد الشهادة في السماء، وألَّا يظلوا مع أموات الأرض، وعن الأجداد والجدات الذين شربوا حسرة الفقد، وظلوا وحيدين في انتظار قذيفة أخرى تكون رصاصة رحمة تأخذهم إلى حيث ينتظرهم الأحباب.
تساءلت عن الغصة التي ستمر على ضمير كل مسلم وهو يرى في عيون صغاره الويلات التي عاشها أطفال فلسطين، التي تتكرر وكأنها مقررات دراسية يجب أن يحفظوها عن ظهر قلب، حتى لا ينسوا لعام واحد أنهم مشاريع شهداء.
تساءلت عن الجرحى الذين أخذت هذه الحرب الشرسة نصيبها من أجسادهم فحرمتهم نعمة المشي أو الحركة، التي تذكرهم في كل لحظة بمواجع الحرب والحصار في معركة غير عادلة قادها المحتل، ثم يطالب بالسلام وبمعاهدات سلام، ويلاقي من يجد له ألف حجة لشنِّ هذه الحرب ضد أحلام صغار فلسطين، الذين سيبقون يلاحقون القتلة في منامهم، جيل من الصغار سيقضون مضاجعهم وأحلامهم بأرض الميعاد، وستظل أرواحهم تطاردهم أينما ذهبوا، بينما سيكبر هذا المارد الفلسطيني الصغير ليذكرهم في ساحات القتال بحقه في كل ما حُرم منه، حقه في موطنه وبيته وعائلته، حقه في العيش بعزةٍ وكرامة.
هذا المارد سيولد من هذا الطفل، وسيجتث حقه في الحياة، فانتظروا وعد الله بالنصر… وإن نصره لقريب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧١) صفحة (١٣) بتاريخ (٠١-٠٨-٢٠١٤)