أطفال القرية لا يلتزمون بوقت محدد.. الوقت مفتوح لهم.. إلا أنهم يترقبون أذان العصر.. وينتظرون أمام المسجد ساعة التسليم.. يخرجون بشوق إلى ساحة السوق.. فالموعد قد حان لتنظيم عرضة شعبية جميلة.. بالفعل وضع الزير في منتصف السوق ليبدأ قرعة بعصاتين نحيلتين صلبتين ينتشر صوته مالئاً الشعاب والأودية.. ترهف الآذان لسماعه، عندها ينتظم الرجال على شكل نصف دائرة واسعة، المقدمة للرجال كبار السن، أما المؤخرة فيتناثر الصغار على شكل حبات الذرة المحموسة على صفيح ساخن، يقفزون في غير انتظام معبرين عن فرحتهم بطريقتهم القروية البسيطة ويزداد اندهاشهم حين يسمعون صوت الأعيرة النارية.. وكأن ثمة حرب شرسة قامت.. ويقف الشاعر الشعبي كشجرة عرعر في المنتصف يستل كلماته من مخزونه الثقافي والشعبي والاجتماعي لينظمها في شكل محاريف حتى يكتمل بناء القصيدة يردد المشاركون الشطر الأخير.. خرصان الشاعر وغيره من الشعراء لهم هيبتهم إذا وقفوا، حيث يجمعون الحكمة والرأي السديد..
كان لعيد القرية بهجة مميزة.. ومع الأسف تلك الفرحة اغتيلت كحمامة بيضاء تعرضت لقسوة رصاصة طائشة في يوم كانت تتماهى في فضاء واد أخضر..
أيا قريتي هل تعيدين وجهك الطلق هل تمدين يديك الحانيتين؟
هل تغسلين الأصداء العالقة في أجسادنا، وتنثرين ابتسامتك كعصافير زرقاء هل تنثرين أشعة شمسك.. للحمام.. للعصافير.. للجداول.. للغيوم….
إني أشتاق لقطرات مطرك وغيمك الأخضر.. ونهاراتك الملأى بالحبور.. وصوت خرصان الذي يمتد كماء الفضة..
أشتاق لنجومك وهي تلتمع مع حكايات خالي عبدالرحيم يرحمه الله..
أشتاق لرؤية العشب النابت على حواف الطريق، والطباق اللابد بين فتحات الأحجار..
أشتاق لسماع تلك الأصوات الخارجة من حناجر النساء وهن يغنين احتفالاً بعروس القرية ..
أشتاق لعبث أقدام الأطفال وهم يركلون الماء الشفيف في جلة الصاغية.
أشتاق لرؤية عيدان منسبة «سعد» وهي مقنذلة لتتربص بصيد طيور الركاض أو البقام الأرقش أو حتى الرجافة وأبو حمرة.
أشتاق لرؤية الجرين وهو مملوء بدلج الحنطة المكتنزة بسنابل القمح.
كل شيء في القرية يغني.. النجوم.. الجداول.. الشجر.. الأبواب المطلية بالقطران.. سفوح الجبال المكتسية بالاخضرار.. الأطفال.
كل مفردات الطبيعة تغني.. أمّا الحكايات تستيقظ من مهاجعها.. وتبث الحناجر مواويلها الشجية.. وترهف الآذان لسماعها..
وادينا وادي قوب الذي يمتد كغصن عنب لدن بين الجبال، يتسع تارة ويضيق تارة أخرى.. مياهه الشفيفة تحنو على الحجارة الصغيرة الصقيلة.. ويوشوش في آذان المارة.. ويفسح للطيور أن تتماهى في الفضاء الرحب وتناجي الغيوم البيضاء..
قريتي إذا جاءها المرض، أو فقدت عزيزاً تتحول إلى ناي حزين مثقل بالوجع لتبث من حنجرتها المجروحة مواويل حزينة تمتزج مع دموع المطر، للقرية قلب شجاع لا يخشى إلا جفاف ضرع السماء.. عندما تتحول إلى لون باهت.. إلى خريطة رعب تملأ الوجوه والعيون.
الأشواك وحدها تقف رؤوسها كالنصال الحادة تطعن الهواء.. وتؤكد غدر وفضاضة الجفاف.
في القرية المطر يغسل كل شيء.. يغسل الوجوه.. القلوب.. أكمام الأزهار.. صفائح أوراق النباتات.. الغدران.. منابت الشجر.. سفوح الجبال.. تتحول القرية إلى نشيد إيماني مع عزف الرعد ولمع البرق.. وبشائر الوجوه مع تراتيل أصحابها.. وابتهالاتهم إلى الخالق عز وجل..
في القرية لا ندري من يوقظ الآخر.. هل الفجر ببهائه يوقظ العصافير وأكمام الورد.. ومنابع الجداول..
أم أن العصافير الملونة التي تبادر لتوقظ الموجودات التي حولها.
سلام عليك ياقريتي كما كنت، لا كما أضحيت..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٤-٠٨-٢٠١٤)