الحضور الإيراني الكبير في العراق سياسياً وعسكرياً ودينياً مثَّل العقدة الأصعب في المعادلة العراقية طيلة الثماني سنوات من حكم نوري المالكي، المتهم بالتبعية الكاملة لسلطة خامنئي، إضافة لاتهامة بأنه حكم البلاد بطريقة طائفية، ولَّدت انقسامات عميقة في المجتمع العراقي، وأدّت لظهور التطرف والمليشيات المسلحة، إضافة إلى الفساد الذي بدّد مليارات الدولارات، فالجيش العراقي تخلَّى عن مواقعه دون قتال لتنظيم «داعش» وترك أسلحته ومعداته التي كلفت أكثر من عشرين ملياراً.
أتت سيطرة «داعش» على مساحات واسعة من البلد لتضيف بُعداً سياسياً جديداً على الوضع العراقي الداخلي، والعلاقة مع الإقليم الكردي، يضاف إلى ذلك وصول الأزمة السياسية إلى طريق مسدود مع إصرار المالكي على الاستمرار في حكم العراق، ما دفع بحكام طهران إلى إعادة النظر في استمرار دعمهم للمالكي، حيث بات شبه مؤكد أن طهران ستتخلى عنه، لكن ليس قبل وجود بديل يناسبها ويدير العراق وفقاً لمصالحها وليس مصالح العراقيين.
النخب العراقية تتحمل المسؤولية بشكل كامل عما آل إليه العراق، فهذه النخب التي جاءت مع احتلال أمريكا للعراق توزعت على ثلاثة اتجاهات الأول يتزعمه نوري المالكي ويبحث عن مصالحه بالارتباط مع المصالح الإيرانية، في حين يريد الاتجاه الثاني الحفاظ على مصالحه المرتبطة بالمالكي وبالتالي بإيران، أما الاتجاه الثالث فهو الاتجاه الوطني الذي يمثل مصالح العراقيين وهو الأضعف في ظروف يتم فيها الاستقطاب السياسي على أساس طائفي أنشأته واشنطن وكرسته طهران، في حين أن رجال الدين النافذين انقسموا إلى مؤيد ومعارض لحكام طهران على أسس عقائدية وسياسية. يبدو أن طهران أدركت بفعل التطورات السياسية والعسكرية ومعارضة عديد من زعماء العراق لاستمرار المالكي أن لابد من الانحناء قليلا والتخلي عنه ولتبحث عن خليفة يناسبها فهل تنجح؟ أم إن العراقيين سيأخذون زمام المبادرة لاستعادة سيادة العراق المفقودة؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧٦) صفحة (١١) بتاريخ (٠٦-٠٨-٢٠١٤)