ذات يوم، كانت تولين مبصرة، ترى مَنْ حولها بوضوح، كانت تمتّع ناظريها برؤية والديها، كانت تداعب أخويها، ماجد وخالد، لكنها اليوم لا تستطيع فعل ذلك، لأنها أصبحت كفيفة، دون سابق إنذار، كيف حال المبصر إذا فقد بصره، فجأة؟
وُلدت تولين زيد ولادة طبيعية، وبعد أن جاوزت شهرها السابع أصيبت بحمى السحايا، شُفيت منها، ولكن لم تسلم من آثارها، فاستسقى الرأس، وامتلأ بالجيوب المائية، التي ضغطت على أجزاء من الدماغ، فضمرت بعض الخلايا، ومنها مركز الإبصار، ففقدت البصر.
لم تتوقف الحالة عند هذا فحسب، بل تعدّته إلى عدم قدرتها على البلع، نتيجة لعدم قيام الدماغ بوظائفه الطبيعية، من خلال العصب اللاإرادي، الذي يفرق بين بلع الطعام واستنشاق الهواء.
ما عادت تُجدي عملية تفريغ الماء الزائد من الدماغ إلى البطن، عن طريق أنبوب يعيده، مرة أخرى، إلى الرأس، الأمر أصبح يتطلب عملية تنشيطٍ للخلايا التي ضَمُرت، قبل أن تموت، وفي سن مبكرة جداً، وفي مركز طبي متقدم جداً.
هل، يا تُرى، سيرد الله إلى تولين بصرها؟ وتقر، بها، عين أبيها، الذي تخنقه العبرة، وهو يشرح وضعها الصحي، هل ستعود تولين لمداعبة شقيقيها، ماجد وخالد؟ كما كانت تفعل، ليس ذلك على الله بعزيز.
والدة تولين تتمنى، أن تفقد هي البصر، بدلاً عن طفلتها اليافعة، بعد أن رأتها ذات يوم تتأمل مَنْ حولها بشغف المندفع إلى الحياة، لن يخيّب الله أملك فلدينا إمكانية العلاج في الخارج لمن تستدعي حالته ذلك، وخادم الحرمين الشريفين قد استأمن رجالاً ثقاتاً، جعل البلد وأهله أمانة في أعناقهم، وقال لهم ذات يوم «لا عذر لكم اليوم».
تولين حالتها يرثى لها ويتفطر لها القلب دماً، والبلد مملوء بالرحماء من المسؤولين الذين سيكونون أيادي حانية على رعايتها.
بقي لي أن أسأل: «مَنْ يمسح دموع أم تولين؟».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧٦) صفحة (٦) بتاريخ (٠٦-٠٨-٢٠١٤)