أصبح بعض شبابنا يعاني من التطرف والعنف دون أن يعي خلفية تلك الأمور، كل هذه الأفكار الدخيلة علينا استطاع اُناس متمرسون في التأثير والتأثر من توظيفها في جذب بعض الشباب وإقناعهم بترك وطنهم وأهلهم للقيام بعمليات إرهابية ضد وطنهم ومجتمعهم.

في البداية أود أن أبارك للأمير عبدالله بن مساعد بن عبدالعزيز بمناسبة تعيينه رئيساً لرعاية الشباب خلفاً للأمير نواف بن فيصل بن عبدالعزيز، وقد عُرف عن الأمير عبدالله توجهه إلى الخصخصة والعمل الاستثماري في المجال الرياضي، وهذا ما نأمله منه بأن يبدأ في خصخصة الأندية السعودية جميعها لنبدأ عهداً رياضياً جديداً في جميع الألعاب، لعل رياضتنا بمختلف ألعابها تعود للمنافسات الدولية بقوة، حيث أصبحت دول العالم متقاربة في مستويات عديد من الألعاب الرياضية سواء كانت لعبة كرة القدم أو ألعاب القوى وغيرها من الألعاب.
ما أنا بصدده في هذا المقال أيها الأمير الشاب هو قطاع الشباب، وكما تعلم أن الشريحة الكبيرة من سكان المملكة هم من فئة الشباب الذين يأملون في تحقيق طموحاتهم التي يبحثون عنها سواء من خلال الأندية الرياضية أو الجهات الأخرى التي تساند في تحقيق تلك الرغبات، ونحن الآن نمر بمرحلة خطيرة جداً من خلال اختطاف فكر بعض شبابنا والزج بهم في بحر تتلاطم أمواجه من كل جهة، والسبب هو التأثير الفكري المنحرف الذي يُغذى به فكر بعض شبابنا من قبل جهات كثيرة سواء كانت داخلية أو خارجية ومحاولة التأثير عليهم وتغيير منهجهم من الوسطية إلى التشدد، وإقناعهم بالالتحاق بجماعات متشددة تعادي الوطن وتزرع في نفوسهم الحقد والكراهية على وطنهم ومجتمعهم، وتصور لهم أن مجتمعهم ليس على جادة الصواب، وإنما الصواب هو أن يحاربوا عن طريق التفجير أو القتل أو التخريب، وقد أصبح بعض شبابنا يعاني من التطرف والعنف دون أن يعي خلفية تلك الأمور بشكل واضح، كل هذه الأفكار الدخيلة علينا استطاع أناس متمرسون في مجال التأثير والتأثر من توظيفها في جذب بعض الشباب إليهم وإقناعهم بترك وطنهم وأهلهم وعملهم أو دراستهم وتوجيههم إلى القيام بعمليات إرهابية ضد وطنهم ومجتمعهم، لماذا؟
لا شك أن الحمل على الرئيس العام كبير من خلال كثرة الأعباء والأعمال، ولكن بالفكر النير والأسلوب المنهجي الناجح المعروف عن سموه سيستطيع قيادتنا إلى تحقيق رغبات شبابنا وطموحاتهم من خلال العمل والاستراتيجيات التي تصبُ في مصلحتهم.
الشباب هم وقود المستقبل وعماده في التنمية والتطوير وهم الركيزة الأساسية في التقدم والنمو، وليس هناك جهة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن الشباب سوى الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ومن وجهة نظري أن لدينا قصوراً في إجراء الدراسات الاستطلاعية الدائمة للتعرف على قضايا الشباب وآمالهم ومتطلباتهم، سواء من الرئاسة العامة لرعاية الشباب أو الجهات الأخرى كمراكز الأبحاث في الجامعات وغيرها، لأن أي عمل لا يمكن تنفيذه قبل أن يكون له دراسة وتوصيات من الجهات المنفذة للدراسة لتجنب المشكلات والمخاطر التي قد تحدث أثناء التنفيذ.
احتياجات شبابنا تعددت وكثرت وتغيرت مع تغير وتطور الزمن فشباب اليوم ليسوا هم شباب الأمس، فشباب اليوم هم شباب التقنية والعالم الافتراضي والإنترنت، ولذلك لا بد من إجراء دراسات ميدانية سريعة عن أوضاعهم وهموهم وحاجاتهم ومتطلباتهم، ويكون ذلك عن طريق جهات محايدة ومتخصصة في مجالات الدراسات الميدانية، كذلك لابد من تعزيز دور الوكالة المختصة بأمور الشباب في ديوان الرئاسة ودعمها دعماً قوياً بالكوادر والمال لتتمكن من عمل برامج ونشاطات متنوعة على مدار العام في مختلف مناطق المملكة تستهدف فيها شبابنا من خلال ورش العمل التدريبية أو الندوات والمحاضرات المستمرة من قبل المتخصصين الاجتماعيين والنفسيين ومن لهم اهتمام بالمجال الرياضي لنشر الوعي الرياضي ومحاربة التعصب بجميع أشكاله وترسيخ مفهوم الوسطية والاعتدال بين شبابنا، ولن يتحقق ذلك كاملاً إلا بعمل شراكات قوية وجادة مع جهات لها علاقة بالشباب أهمها: وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الثقافة والإعلام، ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني بصفته مهتماً بشريحة كبيرة من فئة الشباب وله خبرة كبيرة في تنفيذ ورش العمل في مختلف مناطق المملكة في وقت واحد، وهذه الشراكات الاستراتيجية لو تمت فإن الرئاسة قد تعمل من خلال رؤية وخطة واضحة للاطلاع على مشكلات الشباب وهمومهم والوصول إلى صوتهم ابتداء من صفوف التعليم العام بمراحله الثلاث، وانتقالاً إلى المرحلة الجامعية وما بعدها للتعرف عن قرب على احتياجات شبابنا، وكذلك فتح المجال أمامهم للتعبير عما بداخلهم بكل صراحة وشفافية، ونستطيع بهذه الطريقة أيضاً احتواء شبابنا وحمايتهم من أن يخطفهم الفكر المخالف والمعادي لنا، كذلك نوفر لهم متطلباتهم بشكل سريع ودون تأخير، ولا تكون التوصيات التي تتم عن طريق تلك الدراسات مجرد وعود لا يُنفذ منها أي شيء، إنما تطبق على أرض الواقع، ومنها نستطيع إعداد جيل يعي مفهوم الوطنية والانتماء ويعي أيضاً أن المحافظة على مكتسبات الوطن تمثل أبهى وأجمل صور المواطنة الصالحة.
أما الشراكة مع وزارة الثقافة والإعلام فقد ينتج عنها الاتفاق معهم على تحويل بعض القنوات الرياضية الفضائية إلى قنوات تختص بالشباب وتهتم بتطلعاتهم وهمومهم، ويدير تلك الفضائيات أناس متخصصون في مجال الشباب لإبراز إبداعاتهم وسماع صوتهم، ويشعرون بأن لهم عناية خاصة من قبل جهات كثيرة، لأن إعلامنا ومع الأسف بجميع أنواعه يعاني من قصور كبير في الاهتمام بالشباب، وتركز فقط على الرياضة والرياضة فقط، كذلك لا بد أن تهتم الرئاسة بتفعيل أندية الأحياء الثقافية والرياضية للقضاء على الفراغ الذي يعاني منه بعض شبابنا في العطل الصيفية أو فترة انتهاء دراسة بعضهم وبحثهم عن عمل، فأغلب الدراسات تحدثت عن وجود فراغ كبير لدى الشباب وأن مسؤولية الرئاسة إيجاد أماكن مناسبة لهم يقضون فيها وقت فراغهم، كذلك لا بد من إعادة نظرة المجتمع للأندية الرياضية بأنها فقط مؤسسة للعبة كرة القدم، فإعادة دور جميع الأندية ثقافياً وفكرياً والاستفادة من مساحات تلك الأندية والمسارح والصالات التي فيها بات أمراً ضرورياً، كما هو مستفاد الآن من أغلب المنشآت الرياضية كالملاعب والمسابح وغيرها.
إن دور الأندية الرياضية لا يقتصر على لعبة كرة القدم فقط وتحقيق بطولة أو غيرها بل دور تلك الأندية أكبر من ذلك بكثير ولذلك ننتظر منك أيها الأمير أن تعيد هذا الوهج وتتبنى إعادة إحياء الثقافة والإبداع لدى شبابنا من خلال الأندية الرياضية، ونسعد بأن نرى كل ولي أمر يصطحب ابنه إلى النادي لتسجيله ضمن رواده ومشاركيه.
ختاماً أقول إن أهم تحدٍ يواجه الأمير عبدالله بن مساعد هو تغيير الصورة النمطية والتقليدية التي تحصر دور هذه المؤسسة الوطنية في قطاع الرياضة فقط بل يجب العمل على بناء صورة ومفهوم جديد يتمثل في بناء منظومة شبابية متكاملة وفق أهداف واضحة تكون الرياضة أحد مكوناتها وليس كل هذه المكونات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧٩) صفحة (١١) بتاريخ (٠٩-٠٨-٢٠١٤)