إن تنظيم داعش هو نتاج لفشل التنمية في المجتمعات العربية خصوصاً في الجانب التربوي والتعليمي

في اللحظة التي اجتاح فيها تنظيم داعش مدينة الموصل شمال العراق في الأسبوع الأول من يونيو-حزيران الماضي، خرج علينا بعض «المحللين» في عملية تنظير غطت سماء الفضائيات وحبّرت ورق الصحافة لإقناع المتلقي بأن ثورة عشائر اندلعت في العراق احتجاجاً على سياسة الحكومة المركزية والمحاصصة الطائفية والعرقية التي جاء بها دستور الحاكم العسكري الأمريكي (بريمر) بعيد سقوط نظام صدام حسين.
كأنما بروباغندا «ثورة العشائر» كانت جاهزة للانطلاق وتسويقها على الجمهور، وكأن من سارع للإعلان عن «ثورة العشائر العراقية» كان/ كانت على علم بأن «أمراً يدبر بليل» سيحسم الوضع العراقي المأزوم والمفتت بين أكراد يسعون لتشكيل دولتهم الموعودة وعاصمتها كركوك، وبين سنة يعانون من التهميش السياسي وبين شيعة يواجهون الفقر والعوز رغم أن النسبة الكبرى من النفط تتدفق من مناطقهم. بعد أيام قليلة وضع المنظرون لـ»الثورة العشائرية» تنظيراتهم في الثلاجة وبلعوا ألسنتهم وأطبقوا عليها في «لهاتهم»، وبعضهم أخذ إجازة لكي يغطي على خزعبلاته.
فبعد أيام على تمدد داعش في الأراضي العراقية والسورية تغيّر موقف المنظرين 180 درجة، واكتشفوا، فجأة، أن ما يجري ليس سوى مجازر داعشية تمارس فيها عمليات تجنيد الشباب من مختلف أصقاع الدنيا بما فيهم الشباب الخليجي، ولم يكن أمام المنظرين إلا أن تتغير الحملة الإعلامية، مع أن بعضهم يروّج بأن الحالة الداعشية مسيطر عليها، لكن الحقيقة تفيد بعكس ذلك تماماً. فقد بدأت الأعلام الداعشية تنتشر شيئاً فشيئاً في مناطق بعينها، وتم الكشف عن وجود برامج تدريبية شبه عسكرية للشباب في بعض الأندية الصحية، في ظل «فرجة واضحة» من بعض المسؤولين الذين لم يروا بعد خطراً قد يأتي من الخلايا النائمة أو من المحرضين على زج الشباب في محرقة العراق وسوريا.
يسيطر تنظيم داعش اليوم على مساحات كبيرة في الأراضي العراقية والسورية، ويحضر مقاتليه لاختراق الحدود المشتركة مع بعض الدول الأخرى. وهو تنظيم يحرص على السيطرة على منابع النفط ومصادر المياه ليقيم «دولة الخلافة» التي نصبت أبو بكر البغدادي خليفة لها. وحتى يستقر الأمر لداعش فقد كانت الطريق الأسهل للسيطرة على المناطق التي يحتلها مقاتلو التنظيم هو تنفيذ المجازر البشعة وإخراج كل الغرائز الحيوانية التي لا تخطر على بال وآخرها اصطحاب المقاتلين لأطفالهم وتعليمهم حمل الرؤوس المحزوزة من أجسادها ووضعها على وسائل التواصل الاجتماعي، كرسالة ترهيب وترغيب في آن واحد.
لقد كانت أيدولوجية الإرهاب هي المحرك الرئيس للمجازر التي يرتكبها تنظيم داعش والتنظيمات الشقيقة له للدرجة التي لم يبق أحد من الطوائف والملل بما فيها الإسلامية إلا وتم تكفيره، وما دفن الأيزيديين والمسيحيين والأشوريين ونحرهم وسبي نسائهم واغتصابهن إلا جزء من هذه الأيدةلوجية المارقة التي جاءت في وقت تشهد فيه المنطقة انحداراً مرعباً على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية. إن تنظيم داعش هو نتاج لفشل التنمية في المجتمعات العربية خصوصاً في الجانب التربوي والتعليمي، حيث تعاني المنطقة من انهيار العملية التعليمية ما جعل نسبة مهمة من المجتمع تهجر التعليم الحكومي في منطقة الخليج إلى التعليم في المدارس الدولية والخاصة، حيث تشير بعض الإحصاءات بأن الخليجيين ينفقون أكثر من 6 مليارات دولار سنوياً على التعليم في المدارس الدولية، وهي أعلى نسبة تسجلها هذه المدارس في نمو أعمالها على المستوى العالمي.
كيف يمكن لجم اندفاعة الداعشيين وأنصارهم الذين اخترقوا كثيراً من المؤسسات الرسمية خصوصاً المؤسسات التعليمية والاقتصادية والإعلامية؟
لا يمكن شطب تراكمات عقود من تلقي الأيدولوجيا الخطأ المبنية على التزمت وتكفير الآخر. وأن وقف انهيار ما تبقى من جدار الصد ضد الفكر التكفيري ينطلق من بناء إستراتيجيات حقيقية قابلة للتنفيذ أولها إعادة النظر في الدولة الأمنية الطائفية التي تسود أغلب البلدان العربية، والبدء في عملية إصلاح شاملة وجذرية قادرة على زرع الأمل في نفوس الفتية والشباب بأن ثمة مستقبل ينتظرهم إذا حصلوا على تعليمهم بطريقة تحاكي متطلبات العصر، وإشراك المواطن في صياغة قراره الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ليتحمل المسؤولية. أما الأزمات المعيشية فهي بحاجة إلى معالجات سريعة ولكن بشكل مدروس، خصوصاً أن دول مجلس التعاون حققت العام الماضي وحده فوائض في موازناتها العامة بلغت نحو 150 مليار دولار، الأمر الذي يفرض معالجات حقيقية لأزمة البطالة المستفحلة التي بدأت تعشعش في أوساط الشباب دون القدرة على حلها في ظل السياسات الراهنة، وأزمة الإسكان التي تحولت إلى كرة ثلج التي يقف في طابورها نسب كبرى من المواطنين انتظاراً لبيت أو قطعة أرض أو قرض شراء أو بناء، فضلاً عن إعادة النظر في النظام التعليمي الحكومي برمته وإعادة بنائه من جديد على أسس عصرية تحاكي التنمية المستدامة بدلاً عن نظام التلقين الحالي. كما أن القطاع الصحي المترهل حالياً هو الآخر بحاجة إلى نسف وإعادة تركيب عناصره ورؤيته وأهدافه.
تحتاج المنطقة راهناً، وبصورة لا تحتمل البيروقراطية الحكومية، إلى إعادة تأسيس إستراتيجياتها التنموية بصورة تختلف تماماً عما سارت عليه طوال العقود الماضية التي أعقبت اكتشاف النفط.
والمهم في عملية التطوير المطلوبة هو قطاع الإعلام والصحافة الذي يعاني من حالة انعدام الوزن وعدم القدرة على مواكبة المهنية وتطبيقها ليمارس دوره كسلطة رابعة. هذا القطاع يعتبر من أخطر القطاعات، وتكلسه الراهن وانحرافه الحاد عن جادة الصواب لا يخدم التوجهات والتمنيات بالقضاء على الداعشيين وأفكارهم التدميرية والتكفيرية. إن الإعلام العصري بحاجة إلى فضاء فسيح قادر على التعبير. إعلام يترجم الحالة المجتمعية ويكشف مواطن الضعف ويتمتع بحرية كافية لكشف الفساد المالي والإداري.
هذه المتطلبات يمكن تحقيقها عندما يقتنع القائمون على الأمر بأن المنطقة تلج في مرحلة غاية في الصعوبة والخطورة تصل إلى تفتيت الأوطان. وهذا يضع مسؤوليات كبرى على صانع القرار الذي ينبغي عليه أن يلجم نهج الترويج إلى داعش تحت يافطات مختلفة تدغدغ عواطف جزء من الجمهور وتضحك عليه وتقود الشباب إلى المحرقة.
الذين روجوا لداعش تحت يافطة ثورة العشائر لم يكونوا بمستوى الذكاء الكافي ليمرروا كذبتهم المفضوحة، إنما كشفوا عن أمراضهم التي يعانوا منها رغم قدرتهم على الكذب على الجمهور ولكن لفترة مؤقتة لن تدوم طويلاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٨٥) صفحة (١١) بتاريخ (١٥-٠٨-٢٠١٤)