ما زال الإحباط معشعشاً فينا، ودائماً ننجح في وأد الأفكار وهي في مهدها، ولا تجد من يشجعك على تبنيها إلا قلة قليلة واعية.

أغلب المجتمعات تعيش حالة نوعية خاصة من خلال تطور وانتشار العالم الافتراضي وتنوع وسائطه، ومن هذه الوسائط برنامج «واتسآب» الذي أتاحت للجميع التبادل المعرفي السريع فيما بينهم من نقل للمعلومات والأفكار والأدب والحكم والأحاديث وغيرها من الأخبار المفيدة، ومن خلال ذلك أصبح غالبية الناس يتبادلون في حواراتهم جوانب متعددة كالجوانب الفكرية أو الرياضية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ويتم من خلال ذلك تحليل بعض المواضيع، فتجد بعضهم يملك طرحاً متوازناً ومعقولاً من خلال كتاباته وردوده، وآخر قد يكون شاطحاً في طرحه ورأيه، وثالث تجده معارضاً باستمرار لأي فكرة أو حديث وهذه طبيعة في بعض البشر.
ذات مرة تم طرح موضع للنقاش في إحدى المجموعات التي أشارك فيها مع بعض الزملاء في واتسآب، وقد استهوتني فكرة الموضوع كثيراً ووددت الكتابة عنها هنا لنتشارك بالرأي أيضاً والفكرة كانت تتحدث عن: لماذا لا يكون هناك مادة تُدرس لأولادنا في مراحل التعليم العام والجامعي بعنوان «مهارات الحياة» بحيث تتضمن تلك المادة مهارات الحياة المطلوب ترسيخها وغرسها في النشء منذ صغرهم ومن هذه المهارات: الابتكار، الاختراع، التفكير الإيجابي، حسن التعامل، الصدق، الإخلاص، وغيرها من المهارات الإيجابية التي يجب أن يتعلمها أولادنا منذ الصغر ليتربوا عليها وتفيد في سلوكياتهم أثناء دراستهم وبعدها. كانت الردود لكثير من الزملاء متباينة وكثيرة كل حسب ما يراه وينظر إليه من زاويته وتفكيره، فمن تلك الردود أن أحدهم كتب يقول: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وقال: هذا البيت من الشعر هو أنموذج لمنهجية تعليمنا منذ القدم لأن مضمون هذا البيت من الشعر هو الرضا بالواقع، وليس صناعة الواقع، مما يجعلك متعلقاً بالأمنيات دون أن تفكر وتصل إليها، ويقول: نحن العرب نبحث دائماً ومنذ زمن بعيد عن أبيات الشعر أو الحكم أو الأقوال التي فيها من الرضا بالواقع بكل جوانبه السلبية أو الإيجابية، وهذه الحال قد لا تساعد الإنسان على التفكير والابتكار والاختراع، وهذا سبب من أسباب عدم تقدمنا في مجالات النهضة الصناعية برغم نهضتنا العلمية والحضارية في القرون السابقة.
وقال آخر: إن الطفل السعودي يتم تعطيل قدراته العقلية بسبب ما يصله من رسائل مكررة في المنزل والمدرسة تكون غير مفيدة له مثل: لا تلعب، لا تتحدث، اسكت، كلها رسائل سلبية توجه إليه، مما يجعله في دائرة ضيقة من التفكير لا دائرة رحبة وواسعة يتجول بفكره يمنة ويسرة حتى يُكون أو يصطاد فكرة إيجابية قد يطورها ويستفيد منها الجميع.
وعلق آخر قائلاً: إن أطفالنا عموماً ليس بينهم وبين أطفال الدول المتقدمة أي فرق في نسبة الذكاء والعطاء والجهد، وإنما الفرق هو فيما يتعرض له أطفالنا من عواصف متنوعة وغير مناسبة لفكرهم وتحول فكرهم الإيجابي إلى سلبي بحيث يصبح فكر الطفل كسولاً في التفكير منذ صغره، وعلل ذلك بالأسباب التالية: القمع الفكري الذي يتعرض له الطفل منذ الصغر وإشراكه في ذلك القمع، كذلك ثقافة الموت السائد ترويجها دائماً للإنسان منذ صغره وتدريبه على الاستعداد للموت بدلاً من الاستعداد للحياة، والتركيز على أن الحياة فانية، وعدم التركيز على الأمر الإلهي بإحياء وعمارة الأرض، ثم تربية بعضهم على ثقافة المناطقية والقبلية والعنصرية وغيرها مما رسخ في أذهانهم رفض الآخر وإبعاده، وتقريب المنتمي لهم حتى لو كان ذلك القريب فاشلاً، وأضاف أيضاً أن انعدام القدوة للطفل قد يؤثر عليه كثيراً في اتجاهه إلى عدم التفكير والابتكار بسبب أن الثقافة التي تربى عليها آباؤهم هي نفس التربية التي يتلقاها الأولاد ولم يتبدل شيء في دائرة التغيير، وهذا ما نلاحظه في أغلب أولادنا اليوم، فلا جديد بحياتهم سوى مبانٍ لامعة وبراقة وإكسسوارات يتباهون بها، واختتم بمقولة جميلة يتداولها بعضهم «إن الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل».
ما سبق طرحه كان حديثاً متداولاً بيننا كزملاء، وقد اتفقت كثيراً فيما ذهبوا إليه، فالإحباط مازال معشعشاً فينا حتى على المستوى الشخصي أو العام، فدائماً ننجح في وأد الأفكار وهي في مهدها، ولا تجد من يشجعك على تبنيها إلا قلة قليلة واعية، وهذا موروث اكتسبناه من قبل، حيث أصبح هذا الموروث سلوكاً وعادة في ذهنياتنا مما جعل بعضهم يُسقطها علينا، لذلك يندر أن تجد والداً أو معلماً يشجع الأولاد على الابتكار أو الاختراع أو حتى على التفكير الإيجابي، أو طرح أسئلة عليهم تفتق فكرهم للابتكار والاختراع، حتى أولادنا الذين يتلقون تعليمهم في الخارج فإنهم لن يختلفوا عن إخوانهم الذين بالداخل سوى في حصولهم على اللغة فقط لماذا؟ لأن السلوكيات هي نفس السلوكيات التي تربينا عليها من خلال تربيتنا من قبل، ولعلي لا أكون متشائماً للغاية ولكن المشهد الماثل أمامنا يقول هكذا، تعدى عدد طلابنا في الخارج مائة وخمسين ألف طالب وطالبة ولم نسمع أو نشاهد أي منهم تفوق بفكرة أو براءة اختراع، إلا القليل جداً .. لماذا؟
ما نريده هو أن نعكس تلك الإحباطات إلى تشجيع وتحفيز ولكن كيف؟
آن الأوان لنغير من خطابنا المستهلك إلى خطاب جديد يحمل مضامين جديدة تتماشى مع عصر المتغيرات والتقنيات والتقدم والنهضة التكنولوجية، ونفتح باب التشجيع على الابتكار والاختراع، ولعلنا نبتكر برنامجاً جديداً ومناسباً لأولادنا بحسب اختلاف أعمارهم يتم تعليمهم عليه، ونبدأ بالتغيير للأفضل تدريجياً شيئاً فشيئاً، ونغير فكرة ومفهوم أننا نُعلم أولادنا من أجل الوظيفة أو لقمة العيش، لا بد أن يتغير هذا المفهوم إلى مفهوم أرقى وأشمل، وأن نغير المفاهيم العتيقة التي استهلكت منذ فترة طويلة إلى مفاهيم شابة وجديدة في العطاء والابتكار والإبداع، ولعلنا نجعل من تجارب الدول المتقدمة التي سبقتنا بسنوات قليلة نموذجاً لنا في التطوير والتغيير، حيث كانت تلك الدول قبل عدة عقود تئن تحت وطأة الجوع والفقر، فأصبحت الآن في مصاف الدول الصناعية، لماذا أصبحوا هكذا؟ لأنهم غيروا من منهجياتهم القديمة إلى منهجيات جديدة وفعالة ومفيدة تتناسب مع مستوى الفرد لديهم، وما المانع من استقطاب شركات عالمية لها خبرتها في التخطيط والابتكار والإبداع، لنكتسب الخبرة منهم ونستفيد من عملهم وتخطيطهم نحو صناعة مجد جديد لنا في مجال النهضة العلمية والصناعية لبلادنا.
ختاماً إن نتائج طبيعة تكوين الشخصية الوطنية سيكون هو العنصر الحاسم الذي سيقود مصيرنا كمجتمع وكدولة لأن المجتمعات والدول هي انعكاس للطبيعة البشرية لهما، وأن الحاجة ملحة ومهمة إلى تبني فلسفة جديدة تُسهم في إعادة بناء شخصية وهوية الجيل الجديد من الناحية المعرفية، مع المحافظة على المرجعية الدينية والهوية العربية لشخصيات الأجيال ويمكن تحقيق ذلك بما نملكه من مكونات طبيعية واقتصادية كبيرة لا توجد في أي بلد، فالنجاح مضمون بعد مشيئة الله بسبب وجود تلك المكونات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٨٦) صفحة (١١) بتاريخ (١٦-٠٨-٢٠١٤)