لم أتوقع ما حدث، ولم أفكر أنني سأكون في يوم من الأيام في تلك الدرجة من الضعف، أغلقت الباب وكان أحدهم في انتظاري بسيارته لكي يوصلني إلى الفندق، ركبت السيارة ولكنني شعرت أنني من يحمل السيارة وليس العكس، التفت إلي السائق، وكأن شيئا مفاجئا قد حدث، كاصطدام شيء بشي، لم أنتبه إلا بعد أن أمسك بي الرجل وقال: ما بك؟ قلت: وما بي؟ بي أمر لم يحدث لي مثله من قبل، قلت وما الذي أثارك؟ قال: نفختَ نفخة كما لو قلبك هو الذي خرج وليس الهواء، لم يكن يعلم ما حدث، فهو قد حضر للتو، أخذ يتحدث عن حالهم في مصر وأنهم قد بدأوا التعافي مما حل بهم، أنا، هنا، بنصف واحد، فقط، نصف قلب، ونصف عقل، ونصف روح، ونصف جسد، ونصف شعور، هل رأيتم أحدا وهو دون نصفه! ومازالتْ الحياة تتدفق بطيئة في عروقه، ذاك أنا، في لحظتي تلك، تابع صاحبي حديثه ولم أكن متابعا له إلا عندما صرخ وسألني: هل هذا صحيح؟ فأوافقه، ظناً مني أنه هكذا يريد. وصلت إلى الفندق في البلد، في أجمل (كورنيش) للنيل، لم أر منه إلا أمواجا تعاتبني: لماذا تركته هناك؟ فأنصرفُ عنها إلى الجانب الآخر فإذا بأشجار النخيل الباسقات، تسألني، هي أيضا ذات السؤال.
عدت إلى حجرتي أنشد النوم ولا نوم، أخذت أتقلب كثعبان في صحراء قائظة لم يجد له ما يخفف عنه حرها إلا رمالها المشتعلة، انتبهت من غفوتي اليقِظة فإذا به يؤذن لفجر القاهرة، حمدت الله وتوضأت وصليت الفجر.
كنت أتوقع أنني سأراه عندما يفتتح الموظفون الدوام، فإذا بالمشرف يخبرني أنني لا يمكن أن أره إلا في المرحلة الأخيرة، وقد تطول، وبإشراف منه شخصيا.
من هول الموقف، هنا، أدركت معنى تقديم الحق له في قوله: «يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه»، وهنا أيقنت أنه كلٌّ وليس النصف.
كل ذلك وأكثر عندما تركت ناصر!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٨٩) صفحة (٦) بتاريخ (١٩-٠٨-٢٠١٤)