كان سميح القاسم من طينة معجونة في بلاد كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين، حيث يرفع الشهيد شهيداً آخر لا يجد له مكانا يواريه الثرى، حيث يطارد عدو الشمس ظلال الشهداء لينتقم منهم ومن استشهادهم.

«كانَ والده ضابطاً برتبة رئيس «كابتن» في قوّة حدود شرق الأردن وكانَ الضباط يقيمونَ هناك مع عائلاتهم. حينَ كانت العائلة في طريق العودة إلى فلسطين في القطار، في غمرة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح فذُعرَ الركَّاب وخافوا أن تهتدي إليهم الطائرات الألمانية! وبلغَ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل إلى أن اضطر الوالد إلى إشهار سلاحه في وجوههم لردعهم. وحينَ رُوِيَت الحكاية لسميح فيما بعد تركَتْ أثراً عميقاً في نفسه: «حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم، سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صَوت، لنْ يقوى أحدٌ على إسكاتي».
هكذا بدأت «ويكيبيديا الموسوعة الحرة» تعريف سميح القاسم الذي رحل معلنا عدم خوفه من الموت ولا حبه له.
كأن فلسطين بحاجة لمزيد من الألم والدموع فوق ما هي عليه من مذابح ترتكب بحق أبنائها وبحق ترابها وما تحته وما فوقه، حيث تعيث الآلة العسكرية الصهيونية مجازرَ لم تتوقف منذ قررت النازية الجديدة تأديب غزة وزلزلة الأرض ومن عليها.
قبل أيام أسلم شاعر المقاومة الفلسطينية سميح القاسم، الروح بعد سنوات من معاناته من مرض السرطان الذي أقعده في أيامه الأخيرة بمستشفى مدينة صفد شمال فلسطين، مكملا طوق شعراء المقاومة الراحلين: توفيق زياد (1994) ومحمود درويش (2008) ومنهيا حقبة من الزمن الذي كان الشعراء الثلاثة يتنافسون إبداعيا في كيفية تقديم المقاومة الفلسطينية في صيغ شعرية وأدبية تخترق الروح لتحلق في السماء العربية مسقطة الحدود وجوازات السفر المكبلة لحركة الغناء المحارب الذي يحط أينما كان هناك عشاق يرتشفون الأدب المقاوم ليتحولوا إلى محاربين صلبين تمكنوا من ضرب الانكسارات العسكرية ومواجهة المجازر المتناسلة ضد الفلسطينيين. درويش صدح بقصيدته الشهيرة التي كانت مقدمة وخلفية يوميات كفر قاسم التي عرضت على شاشة تليفزيون الكويت أواخر سبعينات القرن الماضي، وكنا نحرص على متابعتها من ثانوية الشويخ التي كانت تحتضن السكن الجامعي ولاتزال. صدح رفيق دربه محمود درويش:
«إنني عدت من الموت لأحيا وأغني/ إنني مندوب جرح لا يساوم / علمتني ضربة الجلاد أن أمشي / على جرحي وأمشي / ثم أمشي وأقاوم». لكن سميح القاسم الذي يعزف قصائده من معاناة شعب يلاقيه في الدروب الضيقة ويحس بآهات الأمهات وهن يتنفسن الغضب المكبوت في الضلوع، قال قصيدته الشهيرة أيضا عندما خاطب «عدو الشمس» بالقول:
«ربما تسلبني آخر شبر من ترابي/ ربما تطعم للسجن شبابي/ ربما تسطو على ميراث جدي / من أثاث وأوان وخواب/ ربما تحرق أشعاري وكتبي / ربما تطعم لحمي للكلاب / ربما تبقي على قريتنا كابوس رعب / ياعدو الشمس لكن لن أساوم / وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم».
وكان توفيق زياد، الضلع الثالث في المثلث المقاوم يصدح بطريقته:
«أناديكم / أشد على أياديكم../ أبوس الأرض تحت نعالكم / وأقول: أفديكم / وأهديكم ضيا عيني / ودفء القلب أعطيكم / فمأساتي التي أحيا / نصيبي من مآسيكم».
حالة الشعر المقاوم الذي تحول إلى أناشيد وأغانٍ تجوب البلدان وتعزف بألحان متعددة وبتوزيعات إبداعية، لم يقتصر تداولها على الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، بل كانت وبمستويات مقاربة، تنفخ الروح في الجسد العربي الذي كان يعتبر القضية الفلسطينية مركزا وعنوانا للصراع ضد الاحتلال وضد التخلف وضد الظلم الواقع عليه، إما من استعمار أو انتداب أو من أنظمة قمعية لا تختلف في الجوهر عن سياسة الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها كل معارض مشروع سجينا أو شهيدا أو مطاردا أو مشردا. أدب المقاومة الفلسطينية كان ينسحب على كل تلك البلدان التي ابتليت بالتهميش ومصادرة الرأي والرأي الآخر، فكانت مجتمعاتها تعتبر شعر سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد شعرا يحاكي الحالة الوطنية بالإضافة إلى الحالة القومية المتمثلة في قضية الاحتلال الصهيوني. فقد كان المعتقلون في الزنازين العربية يتغنون بهذه الأشعار ويرددون أغاني الشيخ إمام عيسى وهم عائدون من وجبة تعذيب أو تحقيق، يحاولون تخفيف وطء الألم على أجسادهم النحيلة في تلك الغرف المعتمة والقذرة.
رحل سميح القاسم وترك إرثا أدبيا وفكريا كبيرا يفوق السبعين عملا بين شعر ونثر ودراسات ومسرحيات ونصوص، هي خلاصة رحلته في الحياة التي كانت مزيجا شديد التنوع في السياسة والثقافة والأدب. لم تساوم أعمال القاسم كما روحه.فقد كانت تنبض كلها بالمقاومة وحب الحياة ومواجهة الخذلان والانكسار. وفي آخر طلة شاهدته على فضائية الميادين يتحدى مرض السرطان ويعلن من مدينة الناصرة استمرار مقاومته للاحتلال الصهيوني بجسده النحيل المثخن بالجراح وبفكره المتقد الذي أسس بمعية رفيقيه درويش وزياد حالة متقدمة من الأدب الذي أسس بدوره ظاهرة الأدب الإنساني المقاوم القادر على اختراق كل الحواجز والجدران العازلة التي يراد لنا أن نستكين تحت ظلالها ليتفرغ خفافيش الليل وملتهمو غذاء الفقراء لمزيد من الاستحواذ على كل شيء ومصادرة اللقمة من أفواه الأطفال.
كان سميح القاسم شاعرا متمكنا ورياديا، لكنه لم يضع جدارا عازلا بينه وبين أنات شعبه وهو يرزح تحت نير الاحتلال، بل كان متقدما الصفوف، رافعا شعاره الذي ردده طويلا ولم يسكت بذريعة الشعر أو النثر الذي كان يكتبه. فقد كان القاسم من طينة معجونة في بلاد كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين، حيث يرفع الشهيد شهيدا آخر لا يجد له مكانا يواريه الثرى، فعدو الشمس يطارد ظلال الشهداء لينتقم منهم ومن استشهادهم بالطريقة التي عرت الكيان الذين يغطون على جرائمه الأخلاقية.
لسميح القاسم أن يرتاح وهو يعانق تراب فلسطين في نومته الأخيرة، ولنا أن نفتخر ونحتفي به.. ونخجل قليلا. فقد كان إنسانا قبل أن يكون فلسطينيا، دافع عنا كما دافع عن أبناء فلسطين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٩٢) صفحة (١١) بتاريخ (٢٢-٠٨-٢٠١٤)