في غزة مناضلون ومقاتلون ومجاهدون من نوع آخر، رغم كل الجراح ومحاولات بعضهم الاستحواذ بانتصار الإرادة التي يعود الفضل فيها إلى الأمهات والأطفال الذين شكّلوا درعاً وسنداً لرجالات المقاومة

في «غزوة عرسال» اللبنانية، قتلت الجماعات المسلحة من تنظيم داعش وجبهة النصرة مجموعة من العسكريين والشرطة اللبنانية، وخطفت مجموعة أخرى تزيد على الـ 30 جندياً ودركياً، في محاولة لاحتلال البلدة الحدودية التي تعتبر ممراً مهماً للسيارات المفخخة التي تعبر الحدود السورية اللبنانية نحو بيروت وضاحيتها الجنوبية. الجماعات لم تتمكن من الاحتفاظ بعرسال فاختطفت الجنود ورجال الأمن اللبنانيين رهائن وطالبت بالإفراج عن معتقلي التنظيمين في سجن رومية اللبناني، في معادلة ابتزازية: كل عسكري أو شرطي لبناني مقابل 10 من الجماعات المسلحة المتهمة بالتفجيرات والأعمال الإرهابية في لبنان، بينما تتعرض عرسال التي تنتج نحو مليون دولار يومياً من المقالع والكسارات إلى انهيار نصف الإنتاج حتى الآن وتحزم عائلاتها حقائبها لمغادرة البلدة التي تحولت إلى مكان لتطبيق الشريعة الداعشية من خلال مداهمات منازل أهلها بحثاً عن من يتعاون مع الجيش والشرطة اللبنانية وتنفيذاً للقصاص الذي يفهمه أميرهم بالجلد لكل من تسوّل له نفسه النطق بمفردة لاتعجب أتباع الأمير، ومن لايعجبه الحكم فعليه بمغادرة البلدة التي يقطنها أكثر من 35 ألف نسمة عدا النازحين السوريين الهاربين من جحيم في بلادهم.
الحكومة اللبنانية برئاسة تمام سلام رفضت الابتزاز الداعشي، ووجدت في مقايضة العسكريين ورجال الدرك اللبنانيين مع الموقوفين من الجماعات في سجن رومية، لكنها بدأت بتحرك فيه من الجدية ما قد يطمئن أهالي المخطوفين عندما كلفت مدير عام الأمن العام اللبناني عباس إبراهيم بفتح ثغرات في هذا الملف الشائك، فبدأ الأخير بلقاء مع مدير المخابرات القطرية في العاصمة التركية أنقرة.
بالتوازي، وبعد أن طلب من هيئة علماء المسلمين «الطرابلسية» التوقف عن الوساطة لأسباب بدت وكأن الحكومة اللبنانية أرادت ذلك، كانت الجماعات المسلحة من داعش والنصرة وغيرها تهيئ لغزوة جديدة لبلدة عرسال التي يبدو أن استباحة تمت فيها وضمر دور الدولة فيها في الوقت الذي يراقب الجميع حالة الانزلاق التي تتم ببطء نحو منحدر يصعب تجنبه إلا بتوافق وطني عام يحسم موضوع رئاسة الجمهورية الفارغ منذ 100 يوم تقريباً، وهو الوضع الذي يضغط على مفاصل البلاد ويحشر الأطراف في مواقع لا تحسد عليها لدرجة أن بعضها صار يردد نفس النغمة الداعشية وإن لم ينتم للتنظيم أو ملته أو تفريخاته. ينطبق هذا على الساحة السورية التي شهدت معارك ضارية في الرقة للسيطرة على مطار الطبقة العسكري لتحسم لصالح التنظيم الداعشي الذي دفع بالأطفال والصبية للاحتفال بهذا «النصر المؤزر» و أمر طفلاً برفع رأس جندي سوري قطع رأسه أحد «المجاهدين» الغزاة وهو يصرخ باسم الله ويكبر منتشياً بنصر في العراق وفي سوريا، حيث دفن الأيزيديين أحياءً وسبي نسائهم ونساء المسيحيين والمسلمين بمختلف انتماءاتهم المذهبية.
لكن الذين لايزالون يقدمون الدعم إلى داعش من أنظمة وجماعات، ورغم تواريهم عن الأنظار والظهور الإعلامي وتوقف إعلاناتهم في الشوارع التي تدعو الناس إلى «تجهيز غاز»، إلا أن حنفيات المال لاتزال تصب هناك، حيث يحلمون مع الداعشيين بإقامة دولة الخلافة التي يحلمون بها. بعض هؤلاء يمدون في لحاهم حتى تلتقي مع ثيابهم المقصرة، وبعضهم الآخر يدعي الليبرالية والعلمانية، لكنه لا يتوقف عن الدعاء لهم والكتابة دفاعاً عنهم وإشعال نار الفتنة بين مكونات الشعب الواحد لخلق الفرقة ومن ثم الاحتراب لإثارة الخراب والدمار بنفس الطريقة التي يثيرها تنظيم داعش وشقيقاته من النصرة وغيرها من تفريخات الحرب على سوريا.
يسيطر داعش اليوم على ثلث الأراضي العراقية وثلث الأراضي السورية، ويبدو أنه في طريق التمدد وإخضاع مزيد من المناطق في البلدين، بينما شقيقاته من التنظيمات المسلحة تسيطر على مساحات أخرى يمكن أن تنضم إليه لاحقاً. إلا أن أيا من هذه التنظيمات، وأيا من الذين جهزوا الغزاة ليقتلوا الأبرياء في العراق وسوريا ولبنان، لم يبادروا إلى نصرة شعب فلسطين في غزة وهو يتلقى آلاف القذائف الجوية والبحرية والبرية، بل إن ألسنتهم أصيبت بالخرس، وتواطأ بعضهم مع قوات الاحتلال الصهيوني في ضرب الجيش السوري في القنيطرة القريبة من الحدود مع الجولان السوري المحتل، في سلوك لايمكن أن يفسر إلا كونه عملاً منسقاً بين الجماعات المسلحة وبين الكيان الذي كشف أنه يستقبل جرحى هذه الجماعات ويدرب بعضهم الآخر على القتال ضد جيش النظام السوري.
ففي غزة التي انتصرت إرادة المقاومة فيها، واندحر العدوان عنها رغم الجراحات والتضحيات الكبرى التي حصدت أكثر من ألفي شهيد وتجاوز الجرحى 10 آلاف ومئات الآلاف من المهجرين الذين أجبروا على ترك منازلهم قبل أن يقصفها الطيران الإسرائيلي.. من قطاع غزة المحاصر لـ 8 سنوات جاء درس جديد في المقاومة والصمود الأسطوري. فقد قاومت العين المخرز وتحوّلت أرض غزة إلى جحيم للغزاة الصهاينة الذين فشلوا ولم يجرؤوا على عبور حدودها رغم التفوق العسكري الذي اعتمد بشكل رئيس على الطيران الحربي، ذلك لأن هناك مؤمنين بعدالة قضيتهم لم ينتظروا مدداً من النظام الرسمي العربي الذي أصيب بالحول السياسي منذ عقود فأصبح لايرى أطفالاً تقطع أجسادهم بالطائرات والقاذفات، ولا يسمع صرخات الأمهات وهن يرفعن قبضاتهن في الهواء بعد كل غارة تقتل وتجرح وتهدم منازل المدنيين الأبرياء. في غزة مناضلون ومقاتلون ومجاهدون من نوع آخر، رغم كل الجراح ومحاولات بعضهم الاستحواذ بانتصار الإرادة التي يعود الفضل فيها إلى الأمهات والأطفال الذين شكلوا درعاً وسنداً لرجالات المقاومة. هذا البعض لايزال لايرى أن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي شرط الانتصار وتأسيس الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
بين عرسال اللبنانية التي استبيحت على أيدي الدواعش والنصرة بقتل واختطاف وتهجير عديد من أبنائها وعساكرها ورجال أمنها، وبين غزة التي استباحها الصهاينة فقتلوا وجرحوا وشردوا أهلها، ثمة مشتركات كثيرة بين القتلة والمجرمين حتى وإن لم ينتموا إلى ذلك التنظيم الذي حلل القتل بكل أنواعه. وهذا ما يفعله الصهاينة أيضاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٩٩) صفحة (٩) بتاريخ (٢٩-٠٨-٢٠١٤)