عندما يختار كثير من الناس أن يعيش حياته على وتيرة واحدة وإيقاع متكرر، دون أن يفكر في أي تغيير، أو أن يكلف نفسه عناء التساؤل إلى أين؟، يصبح كمن اختار السير على طريق أحادي التفكير، كجندي تلقَّى أوامره العسكرية للتجنيد، يرتدي بزته الثقيلة، ويسير في صحراء شاسعة، لا يفكر في اختلاف الأجواء من حوله، فلا يغريه هطول الأمطار ليتوقف قليلاً كي يشم رائحة المطر، ويتلقف قطراته بين يديه، ولا تشغل باله التفاتة من عينيه ليرمق واحة ظليلة بالقرب من منابت قدميه، أو حتى وجود شلالات استثنائية في الطريق المؤدي إلى نهايات الحياة، وكأنه اختار أن يعيش حياته مصلوباً على زاوية حادة لا تنفرج أبدا، ولا تتوقف برهة، لتعيش تجربة الشكل الآخر للزوايا القائمة أو الحادة.
يطلق لخياله العنان ليتشابه مع خط سير القطار، فلا يقبل سوى منطق القضبان، ويزداد مع ظروف الحياة تناغماً مع هذه التجربة القاسية بكل إصرار أن يتم حياته على هذه الطريقة، وأن ينظر إليها فقط من تلك الزاوية، دون أن يفكر أن هناك أبعاداً ثلاثية وزوايا جميلة لهذه الصورة النمطية، التي يمكن أن يراها، وتضفي على حياته اختلافاً نوعياً، وتنعكس إيجابياً على منجزاته وعلى إضفاء نجاحات اقتصادية واجتماعية، أن يفكر في أن يقف خارج الصورة قليلاً ليراها من كافة أبعادها، ويجرب طرقا جديدة للحياة، بقناعات الحياة، ويحكم على تصرفاته، ويضع أمامه خياراً آخر لا يربط فيه عنقه في ساقية، ويلف خلفها مطأطئ الرأس وكأنه محكوم بحياة لعمر كامل من التكرار التقليدي الكلاسيكي.
قد نتمكن من رسم أبعاد هذه الشخصية التي يعيشها كثير من الناس دون أن يستيقظ على قطفة حياة حقيقية يجرب من خلالها العقل، والحياة العبثية دون تخطيط، يجرب أن يترك رحلة القطار وأن ينصت إلى أصوات عنادل أو خرير مياه، أن يجرب ألا يقف عند باب مبنى قد أغلقت أبوابه فلا يعود، وإنما يبحث عن أبواب أخرى للعبور، ونوافذ مشرعة جديدة لحياة حقيقية تعتبر تجاربها الفاشلة هي التجارب الحقيقية المؤدية للنجاح، أن يجرب مذاق الأشياء ليميز ملحها ومرها، ويتذوق طعم حلاوة العيش فيها.
فلمن أراد الحياة، دعني أهمس في أذنك «بكلمة» سيتحول معها عمرك كله، ويختصرك في لحظة واحدة، فإما أن ترسم على شفتيك ابتسامة عندما تتذكرها، أو أن تشعر بكل بؤس الدنيا عندما تكتشف أنك لم تعش أبداً، ولم تحظ بلحظة حياة واحدة، عندما تشعر أنك قضيت عمراً ترتشف قهوة الصباح دون أن تعرف طعمها أو أن تشم أو تنسجم مع رائحتها..
توقف قليلا لتأخذ نفساً عميقاً وتقول لنفسك:
«أنا لست ماكينة أو حاسوباً، أنا إنسان».
ارمِ حجراً في مياهك الراكدة، وأعلن قائمة جديدة لحياة بنظرة ثلاثية الأبعاد، يقول الشاعر سميح شقير:
«إن عشتَ
فعش حراً
أو مت كالأشجار وقوفاً
وارمِ حجراً في الماءِ الراكدِ
تندلع الأنهار».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٢٠) صفحة (١١) بتاريخ (١٩-٠٩-٢٠١٤)