إن جهاز الهيئة بحاجة إلى تطبيق منهجيات عمل جديدة تختلف عن القديمة المعمول بها الآن، وخاصة أثناء الاحتكاك بالآخرين سواء في الأسواق أو الطرقات

يتعرض جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دائماً إلى انتقادات شديدة من بعض فئات المجتمع بسبب الأخطاء التي يقع فيها بعض أفراد الهيئة أثناء تأديتهم لعملهم الميداني، ويتعرضون أيضاً إلى هجوم إعلامي عبر الصحف أو مواقع التواصل الاجتماعي من بعض الفئات المعارضة لوجوده كجهاز، أو لمنهجية عمله المتبعة التي يرون أنها تغُضب الناس حسب وصفهم.
بالعودة إلى أصل الموضوع، فلا شك أن جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد الأجهزة الفاعلة في تحقيق نوع من الرقابة على بعض الممارسات والتصرفات الخاطئة من قبل بعض المستهترين ممن يقومون بإثارة بعض الأمور التي تخل بالذوق العام أحياناً، كما أن الجميع يعرف أن هذا الجهاز له دور كبير في ملاحقة المروجين للمخدرات والمسكرات، وبيوت الدعارة، والسحرة، ومن في شاكلتهم، وكل هذه الجهود المبذولة تحسب لهم.
نُدرك جميعاً أن الدولة قامت على الكتاب والسنة، وأنها حاضنة للحرمين الشريفين ومقصد كل المسلمين من أنحاء العالم، وهي الدولة الوحيدة التي تطبق شرع الله، وكذلك هي الدولة الوحيدة أيضاً التي تطبق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمبدأ قرآني، والآيات والأحاديث كثيرة التي تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك تم تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ بداية توحيد الدولة وتأسيسها على يد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-.
هنا أتوقف عند السبب الذي دفعني للكتابة عن هذا الجدل الذي يدور بين الحين والآخر حول هذا الجهاز الذي يعمل ضمن أجهزة الدولة، وتحديداً احتدام النقاش حول قضية الاحتساب عموماً والهيئة خصوصاً مع العلم بأن طرح هذه القضية في الوسط الإعلامي يختلف عن طبيعة النقاش التي تحصل في أروقة المجتمع.
الصورة التي يعكسها مستوى وطبيعة الجدل في الإعلام تنطلق من رؤية أطياف فكرية لها مواقف إما مؤيدة بشدة للجهاز من حيث الوجود وطرائق العمل، والأخرى تصل في كثير من الأحيان إلى الجزم بعدم الحاجة إلى هذه المؤسسة في الأصل، وأن أجهزة الدولة الأخرى مثل الأجهزة الأمنية كفيلة بهذا الدور، وبين هذه الثنائية الحادة للفريقين التي تؤيد وبشدة والأخرى التي ترفض فكرة وأسلوب عمل الهيئة، تقع بالتأكيد المشكلة الحقيقية.
في المقابل نجد أن السياق الاجتماعي الذي يناقش قضية جهاز الهيئة له منطلقات مختلفة وهو من وجهة نظري أكثر ميلاً إلى قبول المجتمع وحاجته لعمل الهيئة، مع بعض التحفظات على طريقة العمل وبعض الممارسات التي يرون أنها تمس حرية الناس وخصوصيتهم وربما تصل بعض الأحيان لمضايقتهم وتدخلهم فيما لا يعنيهم دون مبرر.
إذا تصورنا المشهد الإعلامي والمشهد الاجتماعي الذي يحتضن ويحيط بقضية الهيئة نجد أننا أمام مشهدين مختلفين تماماً فأيهما هو الأصوب؟
أنا عموماً لا أحبذ تقييم اختيارات ورؤى الناس دون مقياس علمي، لكنني أجد نفسي في منطقة مستقلة بين ما يطرحه الفريقان، فمن حيث المبدأ لا يمكن لي أن أقبل بفكرة المساس بمؤسسات الدولة من حيث الإلغاء أو عدم الحاجة لمجرد وجود أخطاء أو سلبيات أو حتى مشكلات حقيقية، لأن وجود أو إلغاء أي وزارة أو مؤسسة تقرره الدولة عبر مؤسساتها المختصة وفقاً للمصلحة الوطنية وليس وفقاً لوجود مواقف أو جدل أو حتى حالة عدم رضا فئة أو توجه فكري محدد.
لكن لماذا نحاول افتراض حكم عن مستوى الإجماع على أداء جهاز الهيئة سلباً أو إيجاباً دون استخدام معيار علمي يعتمد على قياس حقيقي لحالة تقييم أي جهاز خدمي في الدولة؟ لذا فإننا بحاجة إلى قيام الهيئة بقياس مدى رضا المجتمع من عدمه من خلال دراسة استطلاعية، يقوم بها أحد بيوت الخبرة المحايدة التي لها تجارب ناجحة في تنفيذ الدراسات الاستطلاعية، فمن خلال نتائج الدراسة تستطيع الهيئة كشف جوانب كثيرة نابعة من عينة الدراسة كافة، وسوف تتعرف الهيئة على الجوانب المتفق عليها من قبل العينة وعلى الجوانب المختلف عليها وخاصة في طريقة منهجية عملهم الميداني، وإجراء الدراسات الاستطلاعية لقياس مدى الرضا من الأشياء المهمة لأي جهة كانت، لأنه لا يمكن أن تستمر أي جهة في العمل بنجاح دون أن تُقيم نفسها وتعرف أنها تسير في الطريق الصحيح أم لا.
من الناحية العملية ومن وجهة نظري أن جهاز الهيئة بحاجة إلى تطبيق منهجيات عمل جديدة تختلف عن المنهجيات القديمة المعمول بها الآن، وخاصة أثناء الاحتكاك بالآخرين سواء في الأسواق أو الطرقات العامة لأن زمننا هذا تغير عن الزمن الماضي وأصبح التعامل مع الآخرين يختلف اختلافاً كلياً عن السابق، ولذلك فإن تحسين الصورة الذهنية لجهاز الهيئة يأتي منهم وبرغبتهم من خلال التواصل مع أفراد المجتمع عبر البرامج المشتركة والفعاليات والندوات واللقاءات وورش العمل، وشبكات التواصل الاجتماعي المتنوعة، كما أننا بحاجة إلى أعضاء هيئة يتحدثون على الأقل اللغة الإنجليزية للتفاهم والتحدث مع بعض الوافدين الذين لا يتحدثون العربية حتى يسهل التفاهم معهم أثناء النقاش، وهذا ليس بالأمر الصعب حيث يحتاج ذلك لدورات مكثفة للغة الإنجليزية سواء داخل البلاد أو خارجها، كما أنه لابد من طمس الصورة القاتمة التي يراها بعضهم عن الهيئة ولا يمكن ذلك إلا من خلال النصح والتعامل والتفاهم الحسن مع الآخرين أثناء حدوث مخالفات من بعضهم، لأننا نريد من أعضاء الهيئة والمكلفين ميدانياً أن يبدأ كل واحد منهم بالأمر بالمعروف قبل النهي عن المنكر وهذا هو المأمول منهم، وحبذا لو يتم تحديد أماكن مخصصة لهم في جميع الأسواق وبعض التجمعات الرئيسة للشباب بحيث تكون تلك الأماكن جاذبة للعامة من خلال الموظفين الموجودين فيها، وأن تكون تلك الأماكن مفتوحة للاستفسارات والفزعات لمن يتم مضايقته، وأن يكون وجودهم لتغيير النمطية السلبية التي ترسخت في مفهومية كثير من العموم.
ختاماً الأخطاء واردة أن تحدث من أي جهاز يعمل في الدولة، ولكن المهم كيفية معالجة تلك الأخطاء هو الأهم، دون طرح خيارات مثل إلغاء أو تعطيل أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، ويجب أن يكون النقاش يرتكز على فكرة التطوير والتحسين وليس الهدم، في المقابل يجب أن تكون معالجة تلك الأخطاء بشكل مدروس ومتأنٍ وليس كردات فعل سريعة ربما تؤثر على عمل الجهاز مستقبلاً، وإنما تكون المعالجات وفق أسس واضحة ومدروسة لتكون النتائج دائماً فاعلة ومفيدة للجهاز نفسه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٢١) صفحة (١١) بتاريخ (٢٠-٠٩-٢٠١٤)