من أبرز المشكلات التي يعاني منها المجتمع تأخر تنفيذ المشاريع الحكومية، ولا توجد مدينة أو منطقة ما لم تكتو من نار هذه المشكلة، ورغم أنها ملموسة ومحسوسة ومشاهدة إلا أنها – مع الأسف – مستمرة، بل تتضخم عاماً بعد عام، مثل كرة الثلج! فما الأسباب التي جعلتها تتفاقم؟ وما المسوغات التي تدفع بالمقاولين في عدم الالتزام ببنود العقود المبرمة؟ ولماذا بعض المقاولين يتخذ الهروب وسيلة ماكرة دون الاستمرار في التنفيذ؟ ولماذا بعضهم يهرب بالأموال بعد أن يترك المشروع في العراء؟ مثلما حدث لمقاول مشروع فندق جامعة الباحة الذي تنفذه على ربوة جبل شهبة، ولماذا بعضهم يتسلم مناقصة المشروع ويسلمها من الباطن لمقاول آخر؟ وهكذا دواليك لتصل إلى مؤسسة غير قادرة على التنفيذ نتيجة نقص فادح في عمالتها، وعجز في إمكاناتها، وبالتالي يكون تأخر تسليم المشروع عن موعده، نهاية حتمية لمشروع يمر بهذه الطريقة غير المنضبطة وغير النظامية.
وكما هو معروف بالنسبة لإجراءات المناقصة حيث تتفق الجهة الحكومية سواء على مستوى الوزارة أم الإدارة مع الشركات أو المؤسسات في تنفيذ المشاريع وفق لائحة واضحة وبنود متفق عليها بين الطرفين مع تحديد شيئين مهمين هما تكلفة المشروع وزمن إنجازه.
وبعد أن تتمكن الشركة أو المؤسسة من الفوز بالمناقصة تبدأ رحلة التأخير والتسويف بمسوغات واهية، كنقص العمالة وارتفاع الأسعار، وصعوبة تسوية الموقع، ولكون الأرض غير مستوية وهكذا.. ولا أدري لماذا تبرز هذه المبررات في وقت متأخر أي بعد توقيع العقد؟ مما يؤكد إضمارها تأخير التنفيذ، وهذا الذي يحدث بالفعل مما تلجأ إلى حيل في سبيل الحصول على مبالغ مالية إضافية، أو تمديد زمن التنفيذ..
ولما أضحت المشكلة مستمرة، وتعاني منها كل الوزارات خصوصاً «النقل» «الصحة» «التربية والتعليم»، فإن استمراريتها – حتماً – ستؤدي إلى زيادة الهدر المالي، وضياع الوقت، وانعدام الثقة، ورغم ما تسببه المشاريع المتعثرة من تعطيل في حركة التنمية الحضارية، إلا أن مجالس المناطق والمجالس البلدية لا حول لها ولا قوة إزاء هذه الممارسات، ولكون المشاريع المتعثرة أصبحت ظاهرة متفشية فإن الاقتراح الذي ابتدره مجلس الشورى بإنشاء «لجنة المشاريع المتعثرة» لم يقدم شيئاً يذكر، كما أن نزاهة لم تتمكن من قطع دابر المشكلة.
إذن ما الحل المناسب؟
أظن أن الجهات الإدارية العليا سواء الوزارات أو الإمارات هي المعنية بالدرجة الأولى في الحد من تفاقم المشكلة بعدم التهاون مع الشركات أو المؤسسات التي تتعمد التهاون بمسوغات غير منطقية، مع تحديد الشركات التي فشلت في إنجاز المسند إليها من مشاريع، بعدم السماح لها بالدخول في المناقصات العامة مرة أخرى وتغريمها ووضعها في القائمة السوداء، والشيء العجيب أن بعض المقاولين يعطون الوعود ولا يفون بها دون اكتراث، مما يتسببون عمداً في تعطيل عربة التقدم، بل دفعها إلى الوراء.
وحتى لا يظن بعضهم أن هناك مبالغة في تصوير خطورة المشكلة عليه فقط أن يدرج كلمتي «مشاريع متعثرة» على محرك قوقل ليرى أي كمد يصيبنا، وأي حزن يعتصر قلوبنا، وأي خسائر فادحة تحدث، وأي عطل وعطب يصيب مكنة التطور في بلادنا.
مقارنة: أحد الأصدقاء أرسل لي فيلماً قصيراً لا يزيد عن دقيقتين يوضح المستوى الحضاري وسرعة الإنجاز لدى الصينيين، عند بناء العمائر العالية، ومن خلال الفيلم يمكن مشاهدة الطريقة الذكية التي يعمل بها الصينيون في بناء عمارة مكونة من 30 طابقاً تم إنجازها مع التأثيث الكامل خلال 15 يوماً أي «360» ساعة فقط، وهذا يعطي دلالة على حسن التخطيط واتقان أدق تفاصيل العمل لتكون النهاية منجزاً حضارياً في وقت قصير بل قصير جداً..
وفي المقابل لا أدري متى يتم الانتهاء من بناء فندق جامعة الباحة الذي بدأ العمل فيه منذ أكثر من عامين، وهل يستطيع المقاول التنفيذ في الزمن المحدد؟ ومما يحز في النفس البرج الطبي بالباحة الذي استنفذ الوقت المحدد، وما زال إلى الوقت الحاضر لم يستفد منه، والأكثر إيلاماً أن هناك ثمة أخطاء فنية حدثت أثناء التنفيذ مما جعل بعضهم يتوقع بأن يتحول المبنى إلى مكاتب إدارية..
الحديث عن سوء تنفيذ المشاريع يطول بل إن بعضها تتم الصيانة فيها قبل بدء الافتتاح.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٣٠) صفحة (١١) بتاريخ (٢٩-٠٩-٢٠١٤)