* توقعات صندوق النقد الدولي بتحقيق عجز في الموازنة العامة السعودية، قابلته آراء عديد من الاقتصاديين والمحللين من داخل وخارج المملكة تشكك في ما ذهب إليه الصندوق من توقعات

بعد سنوات البحبوحة المالية والفوائض في الموازنات العامة بدول مجلس التعاون الخليجي، برزت معطيات جديدة في هذا الشأن، الأمر الذي قاد صندوق النقد الدولي ومؤسسات مالية عالمية وإقليمية إلى التحذير من وقوع الموازنات العامة بدول المنطقة في دائرة العجز المالي السنة المقبلة 2015، ما قد يقود إلى إرباك في عديد من مشاريع التنمية التي تنفذها دول المجلس. حجة صندوق النقد الدولي في الخلاصات التي وصل إليها تتركز على زيادة حجم الإنفاق على مشاريع التنمية والبنية التحتية التي قادت إلى تراجع الفوائض المالية في السنوات الأخيرة، رغم أن الصندوق حين تحدث عن اقتصاد المملكة العربية السعودية أكد على «أن المخاطر المحيطة بآفاق النمو متوازنة، وأن السياسات الاقتصادية الكلية في موقف قوي يسمح لها بمواجهة هذه المخاطر». لكنه وبحكم طبيعة السياسة التي يتبعها الصندوق، طالَبَ «بتبني مزيج من التدابير في جانبي المصروفات والإيرادات، بما في ذلك زيادة الرسوم، ورفع أسعار الطاقة»، وفق نصائح صندوق النقد عندما ناقش مؤخراً تقرير مشاورات المادة الرابعة مع المملكة للعام 2014.
لا شك أن هذا الأمر ينطبق على باقي دول مجلس التعاون الخليجي التي تتشابه في طبيعة اقتصاداتها مع الاقتصاد السعودي الذي يشكل القاطرة الرئيسة له بحجمه المالي الضخم وناتجه المحلي الإجمالي الذي يقترب من 700 مليار دولار، ونسبة التضخم المنخفضة التي من المتوقع استمرارها قبل أن ترتفع إلى مستوى 3.6 بعد ثلاثة أعوام.
توقعات صندوق النقد الدولي بتحقيق عجز في الموازنة العامة السعودية، قابلته آراء عديد من الاقتصاديين والمحللين من داخل وخارج المملكة تشكك في ما ذهب إليه الصندوق من توقعات، مستندين في ذلك إلى أرقام معلنة إزاء أسعار النفط الذي تعتمد السعودية على عوائده بشكل رئيس حالها حال بقية دول مجلس التعاون. فحسب المعلن، إن نقطة التعادل في الموازنة السعودية تقوم على أساس أن سعر برميل النفط هو 90 دولاراً، بينما توقع بعض الاقتصاديين ألا ينزل سعر خام برنت في العامين الجاري والمقبل عن 95 دولاراً للبرميل الواحد، لكن معطيات السوق في الوقت الراهن تشير إلى تراجع أسعار النفط، حيث ذكرت وكالة «فوكس نيوز» يوم الأربعاء الماضي، أي قبل يومين، «أن عقود النفط الخام الأمريكي قد تراجعت (تسليم شهر نوفمبر/ تشرين الثاني) في تعاملات الأربعاء لتسجل أدنى مستوياتها منذ أبريل/نيسان 2013 عند 87.46 دولار أمريكي للبرميل»، بينما سجل النفط الكويتي في إقفال الثلاثاء الماضي تراجعاً ليصل إلى 88.98 دولار للبرميل وخام برنت إلى 90.61 دولار، وغرب تكساس بسعر 90.38 دولار للبرميل. وهذا يخالف توقعات بعض الاقتصاديين بأن الأسعار ستبقى في دائرة 95 دولاراً للبرميل.
إن مسالة زيادة الإنفاق في الداخل وبنسب مقبولة متوسطها 15% قد تكون في دائرة الأمان المالي، لكن المساعدات الخارجية قد تسهم في تحقيق العجز في موازنات دول المنطقة، كما يقول المحللون الاقتصاديون، حيث تعتبر المساعدات الخارجية خارج إطار البنود التي تحتويها الموازنات العامة، فضلاً عن عدم القدرة على معرفة حجمها، علماً أن السيولة متوفرة في المنطقة، إذ من المتوقع أن تزيد موجودات مؤسسة النقد العربي السعودي «البنك المركزي» من 716.7 مليار دولار عام 2013 إلى 768.5 مليار دولار العام الجاري، فيما ترجِّح أوساط مالية أن تنفق السعودية 915 مليار ريال «343 مليار دولار» في العام المقبل 2015، وهو الأمر الذي يدل على متانة الوضع المالي، علماً أن آخر عجز سجلته الموازنة السعودية كان في العام 2009 عندما انهارت أسعار النفط متأثرة بأزمة الرهن العقاري والأزمة المالية العالمية.
في هذا السياق سجلت الكويت خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية فوائض متراكمة بلغت 300 مليار دولار، وارتفعت أرصدة صندوقها السيادي إلى أكثر من 400 مليار دولار، وهذا أمر مريح رغم أن التقديرات تشير إلى أن الموازنة العامة التي تبدأ 1 أبريل 2014 وتنتهي 31 مارس 2015 قد تحقق عجزاً مقداره 3.143 مليار دينار كويتي، أي ما يعادل 10.9 مليار دولار أمريكي، حيث تبلغ إجمالي المصروفات 23.212 مليار دينار (81.2 مليار دولار) بينما تصل الإيرادات إلى 20.069 مليار دينار (70.2 مليار دولار)، منها إيرادات نفطية تصل إلى 18.806 مليارات دينار (65.75 مليار دولار)، أي بنسبة 93.7 % من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، حيث تنتج الكويت ما متوسطه 2.7 مليون برميل يومياً، وبسعر افتراضي قدره 75 دولاراً للبرميل. نشير هنا إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للكويت قد زاد من 160.7 مليار دولار في 2011 إلى نحو 184.5 مليار دولار في العام 2013، بينما يقدر صندوق النقد الدولي زيادة الناتج المحلي الإماراتي من 377 مليار دولار في 2012 إلى 474.2 مليار دولار في 2018، علماً أن الموازنة العامة الاتحادية للإمارات قد خصصت 38 مليار دولار للأعوام 2014 -2016، بزيادة عن سابقتها بمعدل 15%، ما يدل على زيادة المصروفات التي تم الإعلان بموجبها أنه سيتم تخصيص نسبة 51% للنفقات الاجتماعية التي تشمل التعليم والصحة والمرافق العامة. أما في قطر، فقد حذرت بعض الأوساط المالية من أن زيادة كلفة العمالة الأجنبية قد تقود إلى تحقيق عجز في الموازنة القطرية، حيث واجهت انتقادات في الصحافة العالمية على خلفية وفاة بعض العمال الأجانب الذين يشيدون بنًى تحتية ضخمة تشمل مترو وميناء ومطاراً استعداداً لمونديال كرة القدم. ويبلغ عدد العمال الأجانب في قطر نحو 1.8 مليون نسمة، فيما تعتزم الدوحة إنفاق 140 مليار دولار على البنية التحتية الجديدة.
وفيما يتعلق بالموازنة العامة البحرينية، فقد حققت عجزاً في العام 2013 قدره 410 ملايين دينار بحريني، أي ما يعادل 1.078 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يزداد العجز في موازنة 2014 وذلك على خلفية تراجع أسعار النفط الذي يشكل 88 % من عائدات الموازنة العامة، بينما يعتبر 120 دولاراً للبرميل هو نقطة التعادل في الميزانية. كما بلغ الدين العام نحو 5 مليارات دينار، أي ما يزيد على 13.2 مليار دولار أمريكي.
ربما تشكل المعطيات أعلاه صورة عامة عن إمكانية تحقيق عجوزات في دول التعاون الخليجي، لكن ما هو أكثر أهمية هو مقدار الصرف على الخارج، حيث التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» والحرب على الإرهاب الذي حددت له الإدارة الأمريكية مبلغ 500 مليار دولار للسنوات الثلاث المقبلة. وهذا لن تدفعه واشنطن المثقلة بدين فيدرالي زاد على 16 تريليون دولار وعجز مستمر في الموازنة العامة. وهي لا شك ستطلب مساهمات سخية من الدول الأعضاء في التحالف، ومن بينها دول المنطقة، فضلاً عن بعض المساعدات التي درجت الدول الخليجية تقديمها للدول العربية والإسلامية لضبط الوضع الجيوسياسي، ولا شك أن تلك مصروفات تحتاج إلى إيجاد توازن شديد. وهذا ما قد يؤثر على الشكل النهائي للحسابات الختامية لموازنات دول مجلس التعاون الخليجي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٤١) صفحة (١١) بتاريخ (١٠-١٠-٢٠١٤)