لم يرسم مجتمع الدرباوية فكرة مدينة أفلاطونية فاضلة لحياة الإنسان ضمن معايير حضارية تحقق معاني المدنية، ولكنهم أوجدوا لأنفسهم عالماً يضم الشباب والمراهقين المتحمسين لركوب المخاطر، والاحتفاء بالشوارع، في فارق كبير بينهم وبين الصعاليك والحرافيش والهجامة، الذين خرجوا من رحم كتب الأدب والتاريخ العربي، للتعبير عن المنبوذين والعاطلين والمطرودين من مجتمعاتهم، وإنما ضمَّ هذا المجتمع مختلف الفئات والطبقات ممن أحسوا بالرغبة في تحقيق ذواتهم بعيداً عن تفنيدات الفارابي لمدينة أفلاطون الفاضلة، وعن تطلعات الأكاديميين نحو تصرفات مثالية منضبطة، لا تتجاوز حدود قاعات الدرس.
إنهم شباب اختاروا العناق مع الشوارع، والهروب إليها على طريقتهم، ليقولوا لمجتمعهم بصوت مرتفع: «نحن هنا».
فبعد تطور قصة الغائبين عن منازلهم في «فرة الثلاثاء» من الذين حددوا هذا اليوم للتجمع، وممارسة التصرفات اللافتة والغريبة، والتجول في الشوارع غير مبالين بتذمر السكان من الإزعاج وإيذاء أصوات مغامرات السيارات الليلية، الذي لاحق أبطال سيناريو «الفرة» لإبعادهم عن الأحياء السكنية، ولكنهم حولوا بساطة فكرة التجول إلى مجتمع كامل يضم من سمّوا أنفسهم بـ «الدرباوية»، وهي تعبير عامي ينسب إلى كلمة الدرب والطريق عبر فكرة تكرِّس لتجاوزات أبناء الشوارع، الذين لا يخافون الخطر، ويتعمدون إبهار مجتمع المراهقين برجولة مصطنعة، عن طريق الخروج عن الانضباط، وتطبيق صرعات بتقليد أعمى، تخطَّى فكرة الدرب لشباب لا يبصرون الدرب، ويعيشون حالة رغبة لفت الانتباه حتى لو كانت من خلال تصرفات غريبة، تبدأ من تجربة التفحيط والاستعراض الفوضوي والتخريبي ودعس جمهور المتابعين في الشوارع، وتجرُّ خلفها عديداً من السلبيات، مثل تعاطي المخدرات، والشذوذ الأخلاقي، والتقليد الأعمى لتصرفات الشواذ في الغرب، وإيجاد رموز عبارة عن أرقام أو كلمات سرية، وعالم يشبه العصابات ما بين رئيس ومرؤوس، ووضع أسماء للشهرة وبثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأيَّا كانت الأسباب أو الدوافع التي أوجدت هذا المجتمع، سواء كانت نتيجة للفراغ أو اليأس، أو لجفاف المناشط الثقافية والترفيهية للشباب، أو بسبب البطالة، أو الرغبة في لفت الانتباه، أو وجود مشكلات أسرية ومجتمعية، فإن الصورة لم تتغير لشباب صار يحتفي بإطالة الشعر، وارتداء الملابس القذرة، والتدخين بشراهة، وشرب المسكرات وتعاطي المخدرات، وحمل الأسلحة البيضاء، وبوضع شعارات الجمجمة والنجمة والـ 666 والإيمو، في تأكيد لجميع الدراسات الاجتماعية عن شدة تأثر الشباب بالمتغيرات، ورغبتهم في الحصول على الاهتمام المفقود المؤدي إلى وجود هذا المنتج الدرباوي الذي استيقظنا عليه، ولكن علينا أن نعرف جيداً أن من صنعه هم أبناؤنا، وأننا شاركنا بشكل أو بآخر في تصنيع هذا المنتج بسلبيتنا وتراخينا وإهمالنا وتغاضينا وتعاطفنا في بعض الأحيان.
هذا المنتج ليس نباتاً صحراوياً نبت فجأة في أرضنا، إنه النبات الذي تراخينا في سقايته ورعايته فأثمر هذا الناتج الذي يتطلب منا أن نقف بصرامة، ونضع نقطة لنهاية هذا السطر في تاريخ شبابنا مما يتطلب تضافر جهودنا من خلال الإجراءات الأمنية الرادعة، والرافضة، والتفاعل مع الحدث بحجمه الطبيعي، حتى لا نقف يوماً ما عاجزين أمام هذه الصورة.
لا نستطيع أن نخمِّن أو نتوقع إلى أين يمكن أن يجرَّ هذا المد شبابنا لنجدهم داعشيين أو متطرفين، فكل درباوي الآن هو بذرة في أرض خصبة من الانبهار الذي يمكن أن ينبت عقولاً تتبناها الفئات الشاذة والضالة، وتحوِّلهم إلى قنابل موقوتة يقف أمامها التربويون مذهولين من مخرجات التربية، والإهمال والاستسهال.
لقد آن الأوان للبحث عن طرق لتجديد أدوات الخطاب والتوجيه والتقويم وتوظيف وسائل التكنولوجيا الحديثة وتطويعها بالشكل الذي يصل إلى قلوب وعقول الشباب، طبقاً لطبيعة المرحلة ووسائلها، وأن يتم توظيف الشباب أنفسهم في صياغة خطابهم، ووضع خطط وطنية لعلاج هذه الظاهرة، وتبنِّي الشباب والمراهقين في برامج داعمة للمجتمع، وتحديد هويتهم، والتفاعل مع أفكارهم وتطويع كافة هذه المجريات لخدمة المجتمع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٤١) صفحة (١١) بتاريخ (١٠-١٠-٢٠١٤)