في بداية السبعينات من القرن الماضي توافد عديد من أشقائنا العرب لطلب الرزق وللمساهمة في نهضة مملكتنا الحبيبة في جميع القطاعات، وهذا أمر يشكرون عليه، وبالتالي ورثنا عنهم قصصا كثيرة وبعضها مازال متداولا حتى اليوم، خاصة قصة هذا الرجل النبيل الذي يلقب باسم سعيد العماني، الذي وصل إلى المملكة في أوائل السبعينات للعمل في أحد القطاعات الحكومية.
وصل شاب إلى إحدى المدن شمال المملكة للعمل وأخذ يفتش عن بيت يستأجره، حيث وجد غرفة صغيرة محاذية لمنزل رجل كبير في السن وزوجته. استقر سعيد في هذه الغرفة وبدا بالتعرف والتقرب لأهل الحي حتى صار واحدا منهم، ولقب باسم (سعيد العماني). أخذ هذا الرجل الطاعن في السن وزوجته يعطفان عليه، خاصة أن الله لم يرزقهما ذرية، فأخذ سعيد يبادلهما نفس الشعور لمدة تجاوزت الـ 4 سنوات، وعندما اشتاق سعيد لأهله ووطنه قرر الرحيل، ثم ودع جيرانه وأهل الحي وسافر لوطنه (عمان).
بعد 22 عاما عاد صاحبنا سعيد وذهب مباشرة إلى منزل الرجل الذي أحبه، وأخذ يطرق الباب وينادي، فشاهده أحد المارة وقال له ماذا تريد ياأخي، قال سعيد أريد صاحب هذا البيت. قال الآخر- يرحمه الله- ثم تنهد سعيد وقال: أين زوجته؟ قال -يرحمها الله-. جلس سعيد على عتبة الباب إلى جوار حقيبته يبكي ويترحم عليهما، شاهده أحد الجيران وأخذه إلى بيته ثم رفع سعيد رأسه، وقال من المسؤول عن هذا البيت؟ قال الجار:أنا. قال سعيد هل أستطيع شراءه؟ قال الرجل: ولكن القوانين لا تسمح بذلك لأنك غير سعودي. قال سعيد: سوف يكون باسمك. اتفقوا على ذلك وتمت البيعة ثم قام سعيد بهدم المنزل وتحويله إلى مسجد، وصلى الصلاة الأخيرة فيه، ثم كتب لافتة صغيرة على مدخل المسجد (مسجد فلان وفلانة) ثم غادر النبيل صاحب الأخلاق الرفيعة إلى بلده عمان ولم يعد ثانية، طوبى له حيا أو ميتا، ليس غريبا على سعيد هذه الأخلاق الرفيعة ،لأن أجداده هم من رسخوا القيم العربية الأصيلة، في إفريقيا وآسيا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٤٧) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-١٠-٢٠١٤)