الرئيس موراليس وضع برنامجاً جدياً لمكافحة الفقر والمرض وتحويل البلاد من دولة فاشلة غير قادرة على الإنفاق على مواطنيها إلى دولة تشق طريق النجاح بتحقيق معدلات مهمة وناجحة في التنمية الإنسانية وتطوير البنى التحتية

في خضم عمليات التدمير الممزوجة بالقتل والاغتصاب وإخراج كل غرائز التوحش التي تعاني منها منطقتنا، تطل علينا من شرفات بعيدة نماذج أخرى لا نعترف بها هنا حيث مدى الاتكالية يكاد يعانق السماء.
نماذج تؤمن بأن الإنسان قادر على اجتراح الصعاب وإن كان في إحدى الزوايا المهملة من العالم. هذه النماذج تشكِّل خيوط الأمل التي يحلم بها الناس في كل مكان. وهي لا ترى على الأرض تجسيداً إلا في الأماكن التي تليق بها، حتى وإن كانت في أطراف الكون. ففي الشرق الأوسط الموبوء بالمرض والحروب والتكفير والقتل ذبحاً أو سحلاً أو اغتصاباً، يعيش 53% من سكانه على أقل من أربعة دولارات يومياً، في منطقة من أكثر المناطق التي تنعم بثروات طبيعية لا توجد في بلدان أخرى سبقت الدول الشرق أوسطية إلى التطور واحترام الإنسان، فقط لأنها تقدِّس العمل وتحترم الوقت وتقرر مكافحة فقرها.
قبل أيام فاز الرئيس البوليفي إيفو موراليس بولاية ثالثة بعد أن حصد أكثر من 61 % من أصوات الناخبين البوليفيين الذين وجدوا ضالتهم في هذا الهندي القادم من أعماق التاريخ ومن قاع المجتمع باعتباره كان يمارس رعي الحيوانات وعاش حياة الفقر المدقع. لكنه تمكَّن خلال تسع سنوات من تحويل بوليفيا من دولة تتسول أجور موظفيها إلى دولة يمكن لها أن تقرض دول الجوار اللاتينية. فقد كان الرجل الذي يعرف معنى الفاقة والحاجة، قد ابتلي بوفاة أربعة من إخوته بسبب المرض، وعاش في منزل بلا كهرباء ولا ماء ولم يعرف معنى الملابس الداخلية، وكان ينزع ملابسه إما لتنظيفها من القمل أو لترقِّعها أمه. يستيقظ فجراً ويبدأ عمله في الخامسة، فهو لا يكل من العمل، ولم يغيِّر سلوكياته الفلاحية والرعوية رغم أنه يجلس على أعلى كرسي في بلاده. موراليس يستمد قوته من عمق التاريخ ومن تجارب من سبقوه.
بوليفيا، الدولة الداخلية التي لا تطل على بحر أو نهر، لكنها تزخر بالإصرار على مكافحة فقرها المدقع الذي كانت تعاني منه. هي دولة في أمريكا الجنوبية وتأتي في المساحة بعد البرازيل والأرجنتين وبيرو وكولومبيا. وتبلغ مساحتها أكثر من مليون كيلومتر مربع، وعدد سكانها 10.5 مليون نسمة وفق إحصاء 2013، وعاصمتها الرسمية سوكري، والفعلية لاباز.
كانت بوليفيا خاضعة لسيطرة الأقلية البيضاء التي تحكمت في البلاد طويلاً، لكن العناصر التروتسكية في حزب العمال الثوري تمكنت من السلطة في عامَي 1937 و1943 اللذين شهدا إصلاحات اجتماعية وسياسية. لم تهدأ بوليفيا، فقد كان الاضطراب السياسي هو السائد في البلاد، وعندما فاز أحد المحسوبين على اليسار في الانتخابات الرئاسية عام 1951 قفز العسكر إلى السلطة، مما قاد لثورة ضد العسكر وتم إسقاطهم وإعادة الرئيس الفائز في الانتخابات فيكتور باز استنسيرو، الذي قلَّص دور الجيش في الحياة السياسية وأمَّم المناجم ومنح الأميين الذين تصل أعدادهم إلى 70 % من السكان حق التصويت، وأصدر قانوناً للإصلاح الزراعي. إلا أن الخلافات في الطبقة الحاكمة وإعادة تنظيم جنرالات الجيش لأنفسهم قاد إلى تسلمهم السلطة. وهكذا كانت البلاد عرضة للانقلابات العسكرية التي بلغت نحو 140 انقلاباً، ما يعكس الاضطراب في الحياة السياسية.
كان الرئيس موراليس يعي الدرس جيداً، فهو لا يريد العودة إلى عصر الانقلابات العسكرية، خصوصاً بعد أن تمكن من وضع برنامج جدي لمكافحة الفقر والمرض وتحويل البلاد من دولة فاشلة غير قادرة على الإنفاق على مواطنيها إلى دولة تشق طريق النجاح بتحقيق معدلات مهمة وناجحة في التنمية الإنسانية وتطوير البنى التحتية التي من أهمها زيادة المساحات التي يغطيها التيار الكهربائي والمياه، وكذلك شق الطرق والمواصلات العامة. ويفتخر البوليفيون بأنهم يمتلكون أكبر تلفريك في العالم، وبالقمر الصناعي الذي أطلقوه مؤخراً.
يحلم الرئيس المجدَّد له أن يجد بلاده في وضع أفضل مما هي عليه الآن. فالناتج المحلي الإجمالي المعادل للقدرة الشرائية يصل إلى 45.5 مليار دولار والدخل الفردي نحو 4500 دولار للفرد، وتنتج وتصدِّر النفط والغاز عبر أنابيب إلى تشيلي، كما تنتج القصدير والذهب واليورانيوم، وتواجه تجارة المخدرات.
أما التعليم الذي حرم منه الرئيس حتى أصبح شاباً يافعاً، فقد كان في مقدمة اهتماماته، فتخلصت بوليفيا من الأمية في العام 2008، وفتحت المدارس والجامعات، حيث تنعم اليوم بعشر جامعات للطب.
التخوف الذي يبديه خصوم موراليس السياسيون هو أن يسعى إلى تعديلات دستورية تسمح له بالبقاء في السلطة لدورة رابعة مدتها خمس سنوات. لكنه يؤمن بأنه بعد سن الستين يفترض أن يتقاعد، وهو الآن في الرابعة والخمسين من عمره، ما يعني أنه سيتقاعد مع نهاية هذه الدورة. وفي ذات السياق، فقد فاز حزبه بـ 111 مقعداً من أصل 130 في مجلس النواب، ويتوقع أن يفوز بـ 25 مقعداً من أصل 36 مقعداً في مجلس الشيوخ، وهو الأمر الذي قد يقود إلى مزيد من الاستقرار المساعد على تخطي هذه الدولة الأمريكية الجنوبية واقع الفقر إلى رحاب التنمية المستدامة وقطع الطريق على عصر الانقلابات العسكرية والتسول من الجيران. وحتى يحافظ على هذا المستوى المتقدم من التنمية يبدو أن الرئيس موراليس سيستمر في الاستيقاظ فجراً ليبدأ عمله ومقابلاته الرسمية في الخامسة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٤٨) صفحة (١١) بتاريخ (١٧-١٠-٢٠١٤)