في المساء تتحول جدة لحدائق مدهشة من الحكايات والأساطير، هل هي التي اختارت اسمها من جدها جُدة بن حرم بن ريان؟. أم إنها صديقة البحر فكانت جُدة؟ أم إن البحر ضمها فرضيت بأن تكون جُدة؟

لجدة شجن خاص ينبثق من حشاشة القلب، وشوق مترع لرؤية مراية وجهها، فعصافير الروح تهوي إليها، وجياد العشق تحط رحالها على أرضها، ليس لكون جدة كنورس أبيض يتماهى على مياه زرقاء، وليس لكونها مكتظة بأسرار مدهشة من عهد غابر، رسمت شاهدها موسوماً بقبر أم البشرية أمنا حواء، وليس لكونها تحتضن كل اللغات والسحنات، تبثها بحروف من نور صوب أطهر البقاع مكة المكرمة، سواء كانوا حجاجاً أو معتمرين.
قبل أن تدلف جدة تستقبلك حزم من أشعة الشمس التي تعودت على مصافحة الرمال، ولهذا تعطينا درساً عن الجسارة والتحمل لقسوة المناخ، ما كان لهذه المدينة أن تنبت في الرخاوة، وظروف مناخية كهذه، بل أعطاها البحر أسراره وخباياه، وصخوره المرجانية التي تجمع ما بين الغلظة والجمال، الشاطئ الصخري يُرتّل أغنية الود، ليجتمع النقيضان الماء واليابس، في هذه الظروف وُلدت جدة ونمت ومر عليها عصور من الرخاء والشدة، فالمدينة تعوّدت على استقبال جميع الأطياف البشرية، والمشاعر الإنسانية، فقراء، أثرياء، سعداء، أشقياء، عجم، عرب، يأتون إليها بود، وتستقبلهم بشوق، وتمنحهم أريج عطفها، وأزهار حبها، ما أوسع صدرك يا جدة، أأنت تصافحين الجميع دون أن تتفحصي أوراقهم الرسمية، أأنت التي تعطرين المساءات بورد يشع ندى ويفيض عطراً، حين تطالعك المنازل والشوارع والميادين والحدائق والنافورة المنتصبة كعمود من ضياء، فما عليك إلا أن ترخي أهداب عينيك، احتراماً لجمالها وبهائها، ومتى ما أخذتك خطواتك إلى عمقها التاريخي لسبر أغوار الماضي من خلال مرورك البهي في أزقتها القديمة وأنت تطالع رواشينها المحفورة بمهارة الإبداع، وكذا تتهجى لغة أحجارها، ستكون حتماً في حالة إصغاء لدروس الماضي، وستمنحك بطاقة ذهبية كي يرتعش قلبك، وتنتعش روحك، وتستيقظ ذاكرتك، ويتلبسك حالة مدهشة من الشعر والجوى، عندها ستطلق أجنحة خيالك لتعيش لحظات ماتعة اختصاراً لمنعطفات زمنية متباينة، بعدها تأخذك خطواتك الحثيثة إلى شارع قابل ذلك الذي يجري كنهر بشري، من الباعة، والمشترين، والزائرين، وروائح اللبان، والبخور والأقمشة المسجاة على الأرصفة، أو المصفوفة فوق ألواح خشبية أو معدنية، وكذا ملامح البشر الطافحة بالاطمئنان، ومن حول الشارع تُعلّق نظرك في مساجدها العتيقة كمسجد عثمان بن عفان ومسجد الشافعي وعكاشة أو بواباتها العتيقة كباب مكة وباب شريف.
وحتى تنصهر ذوائبك العاطفية لا بد أن يبتلّ جسدك في زرقة مائها، لتصبح منسجما مع أسماكها.
وفي المساء تتحول جدة لحدائق مدهشة من الحكايات والأساطير، هل هي التي اختارت اسمها من جدها جُدة بن حرم بن ريان؟. أم إنها صديقة البحر فكانت جُدة؟ أم أن البحر ضمها فرضيت بأن تكون جُدة؟ لعبدالقدوس الأنصاري دراساته وأبحاثه اللغوية حول حرفك البهي(ج) هل هو بالضم أم الكسر أم الفتح؟ وكما يؤكد بأنك مضمومة ليس لجانب لغوي فقط بل لأنك ذات دفء، ونعلم بأنك لا تكترثين لذلك النقاش المحتدم بقدر اهتمامك بكل زائريك لتمنحيهم الحب، وتتركين أثراً جميلاً في نفوسهم يلازم كل من اكتحلت عيونهم بالنظر إليك.
قبل أيام كانت أسواقك وما زالت تعج بالحجاج العائدين الذين أناخوا رحالهم قليلاً، ليحظوا بشيء من أريج عطرك، فكنت وما زلت تعطين بسخاء، وهم يتجولون في أرجائك، شمالاً إلى جوهرة الملاعب، وجنوباً إلى سنابل الخير، وشرقاً إلى الجبال التي تحرسك، وغرباً إلى ماء البحر الذي كان يطلق عليه في الماضي القلزم، وأصبح أحمر بلمعان شعابه المرجانية، تشكلت وازدهت كوردة تضوع المكان بأريج أخاذ.
جدة تستيقظ على كمانة الحي ليداعبها النسيم العليل، ويقبلها على وجنتيها الموردتين، لتخضر حروف العشق، وتتماهى فراشات السعادة.
وحين تستوي الشمس في سمت السماء، تكون أشعتها صاهلة كخيل جامح، عندها تستحضر جدة حكمتها الأبدية، وتبيّن أن الدفء الجائر مقبول بها، وما كان لأحد أن يغادرك لسبب كهذا، فجاذبيتها تغلبت على قسوة طقسها النهاري، أما إذا حل المساء وبرزت قطيفة السماء فتتدلى قناديل كانت معلقة في قوسي القمر لتضيء روح المدينة.
أشياء قليلة تشوب وجهك المياس لم تتمكن من تجاوزها يا عروس البحر، ولم يتمكن المسؤولون من تطبيب جراحك، حكايتك المحزنة مع الماء، ليس ماء البحر حاشا، بل الماء الذي يتسرب بين أقدامك الذهبية، لذا تحتاجين إلى من يمدد أوردة السلامة في جوف الأرض، نزحاً للماء كي لا تهرم مبانيك قبل أوانها، وكي لا تزكم الأنوف بتلك الروائح.
بقي سؤال مشرع هل سيتحقق للنورسة البيضاء هذا الأمل؟ كي تحلقي بجناحيك الأبيضين في الفضاء الرحب كأجمل وأبهى مدينة.
لك الروح يا جدة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٥١) صفحة (١١) بتاريخ (٢٠-١٠-٢٠١٤)