بيروت المثخنة بجراحاتها وخلافات أحزابها وطوائفها وعدم قدرتها على انتخاب رئيس للجمهورية أو التمديد لمجلسها النيابي، هي نفسها بيروت التي فقدت للتو موسمها السياحي

لا أدري لماذا يحن كثير من العرب للعاصمة اللبنانية بيروت. فهي مدينة لايقل مستوى المعيشة فيها عن أي عاصمة أوروبية إن لم تكن أغلى، وأبناؤها يئنون من وطأة الغلاء وعدم القدرة على تغطية تكاليف معيشتهم. يجرني شريط الذكريات إلى الطفلة «ندى»، في منطقة رأس النبع التي تحرص على أن تأتي مع بزوغ الشمس أيام حزيران 1982، تقدم فنجان القهوة المغلي. تقول بغنجها الطفولي الجميل: «تفضل عمو الأهوة من أمي..عم بتسلم عليكن وتؤل الكن يعطيكن العافية». أشتاق لتلك الطفلة التي لم تكبر في مخيلتي. فهي الأخرى تستحضر بيروت المشدودة نحو الإقليم المشتعل بحروب الطوائف والمذاهب.. حروب تكفيرية تنطلق من القول «أنا وبعدي الطوفان» السائدة في هذه الحقبة المظلمة من تاريخ العرب الراهن. راهن يفكك المفتت ويدميه باحترابات بشعة لم تشهدها المنطقة في تاريخها بهذا الحجم من العبثية التي استفادت منها العصابات الصهيونية التي تتهيأ لإصدار قرار من الكنيست يقسم المسجد الأقصى، الذي هو بالنسبة للمسلمين المتقاتلين على أرض العرب، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
لن نتحدث عن الشعب الفلسطيني في القدس وهو يواجه عملية تهجيره بقوة السلاح والسيطرة على منازله وأراضيه ومصادرتها في ظل العجز العربي القاتل والصمت الدولي المتواطئ مع الإرهاب الاستيطاني الذي يستثمر إرهاب التكفيريين في العراق وسوريا، حيث تحوّلت عين العرب (كوباني) إلى عنوان صارخ بعد أن ضيع العرب بوصلتهم «القدس». لم نعد نتحدث عن لينا النابلسي التي كانت بطلة يوم الأرض عام 1976، بل عن تلك الفتاة الكردية الجميلة الصلبة التي ذهبت إلى حزّ رأسها على أيدي الداعشيين وهي تبتسم بسخرية على هذه الأمة، بينما يقهقه القادم من كهوف التاريخ وهو يرفع رأسها بعد أن فصله عن جسدها.
قوس بيروت مشدود لأكثر من سبب. في عرسال حيث الجماعات المسلحة تحرج الدولة وجيشها، وفي الجنوب حيث جيش الاحتلال يمارس خروقات تشطب الخطوط الخضراء والزرقاء المرسمة بعد الانسحاب في العام 2000 وبعد عدوان 2006. كأن التاريخ يعيد تشكيل الحالة العصبية في المدينة. فقد كانت الأيام الأخيرة من العام 1982 من الأيام الصعبة التي مرت ببيروت وهي تنتظر قادماً معقداً أصاب جزءاً كبيراً من الشعب اللبناني بأمراض عصبية لما واجهوه من أهوال الحرب الأهلية والغزو الصهيوني.
في إحدى ليالي بيروت الحزينة بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين، وبعد مجازر صبرا وشاتيلا بـ 3 أشهر كانت سينما «الدرادو» في منطقة الحمراء ببيروت، تعرض فيلم «مفقود» الذي يحكي قصة سيناتور أمريكي ذهب إلى تشيلي باحثاً عن ابنه الصحافي الذي كان هناك لتغطية أخبار انقلاب الجنرال بينوشيه العسكري على الاشتراكي سيلفادور الليندي الذي جاء إلى هرم السلطة بانتخابات شعبية، في مقاربة غريبة بحالة محمد مصدق في إيران مطلع خمسينيات القرن الماضي. يصور الفيلم كيف حول الدكتاتور بينوشيه ملاعب تشيلي إلى سجون مكتظة بعد أن غصت أماكن احتجاز المعتقلين عن بكرة أبيها، وكيف حوّل ثلاجات تبريد المواد الغذائية إلى مشارح قتلى الانقلاب، وقد وجد السيناتور ابنه مقتولاً برصاص العسكر في إحدى تلك البرادات. بينوشيه وبعد أن عادت الحياة إلى طبيعتها في تشيلي وجهت له تهم القتل الجماعي، وتمت مطاردته قضائياً في عواصم العالم ومن بينها لندن، وهو في أرذل العمر.
لكن بيروت المثخنة بجراحاتها وخلافات أحزابها وطوائفها وعدم قدرتها على اتخاذ قرارها بانتخاب رئيس للجمهورية أو تمدد لمجلسها النيابي بعيداً عن القوى الإقليمية، هي نفسها بيروت التي فقدت للتو موسمها السياحي، لكنها لا تنحني لغريب يخدش هامتها، تمضي غير آبهة بما يقولون عنها وكأنها أدمنت حتى الثمالة احتضان القادمين من نيران بلدانهم، تحنو عليهم بشيء من الحب الماكر الذي يحفظ عفتها وعنفوانها الجميل الذي لايعرفه ولا يدركه إلا من عاش في أزقتها وهي تصرخ من حمم تسقط على رأسها دون أن ينصرها من كان يفترض فيه النخوة. بيروت هي الطفلة ندى. مدينة تراقب صهينة الأقصى وإرهاصات مخيمات فلسطين في لبنان لاستحقاقات لم تأت بعد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٥٥) صفحة (١١) بتاريخ (٢٤-١٠-٢٠١٤)