لو استعرضنا تاريخ شبابنا منذ بداية الستينيات وحتى اليوم سوف نجد مفارقات عجيبة تتعلق بالتغير الفكري لديهم، ففي الستينيات والسبعينيات لم يكن يوجد بين هؤلاء أي لغة للتطرف أو مقت الآخر بسبب مذهبي أو طائفي بل كان الجميع جنباً إلى جنب في مقاعد الدراسة والجامعات والمحافل الأخرى، يعملون معا يجمعهم حب الوطن والمصالح المشتركة التي تحمل الحب والتنافس للنهوض بمملكتنا الحبيبة.
في الثمانينيات وتحت ذريعة الصحوة الإسلامية وضعنا المناهج الدينية المتشددة في المقدمة وتواضعنا للمناهج الأخرى التي يحتاجها الوطن وبدأت بشائر التحريض ثم تلتها مرحلة الجهاد في أفغانستان والبوسنة وغيرهما، وأقفلت محال ترفيه الشباب من سينما ومسارح وفن، كما حرموا من دخول المولات التجارية، وهذا ما جعل شبابنا لقمة سائغة في يد المحرضين على العنف، ثم بدأ التغلغل في المدارس بالمنشورات والمحاضرات التي تمجد الجهاد في بؤر الصراع، وتم استغلال نقاط ضعف هذا الجيل والتغرير به حتى انفرط عقد شبابنا بانخراطهم في مواقع التوترات والصراعات الإقليمية والدولية، ثم ما لبثنا أن جاءنا الأسوأ الذي لم يكن في الحسبان يوم 11 سبتمبر الذي جعل سمعة إسلامنا السمح في الحضيض، ناهيك أن بعضهم عاد ليفجر ممتلكات ومصالح وطنه وأبناء جلدته.
بطبيعة الحال أصبح المحرضون لهؤلاء الشباب كالنعام آنذاك وبريئين من الإرهاب كبراءة الذئب من دم يوسف، مع الأسف مازال دور المحرض قائماً كما كان في الثمانينيات مع اختلاف الوسائل، وعلينا مراجعة أنفسنا بالعودة إلى الوراء وقراءة ماذا يريد شبابنا اليوم قراءة متأنية وعملية كي لا ينفرط العقد أكثر، وفي حال فعلنا هذا أجزم أن زعماء التطرف والإرهاب ومعاونيهم سوف يختفون تدريجياً، بدل أن ننشئ لجاناً لمكافحة الإرهاب لم تعطنا أي نتيجة إيجابية منذ بداية الألفية الثانية وحتى الساعة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٥٦) صفحة (٦) بتاريخ (٢٥-١٠-٢٠١٤)