فئة أخرى من مديري المصالح الحكومية لا يسمحون للآخرين بالمشاركة معهم في اتخاذ القرار مما يجعل أسلوبهم يندرج تحت مسمّى الإدارة الاستبدادية

يؤكد المختصون في علم الإدارة بأنها علم وفن ومهارة. أما لماذا؟. فلأن للإدارة مناهج وأسساً وأنواعاً وأقساماً، ولما تمثله من أهمية في الحياة، فقد أسست معظم الجامعات كليات وأقساماً لتدريس علوم وفنون وقواعد الإدارة، فأي عمل سواء على مستوى الأقسام الصغيرة أم على مستوى الإدارات الوسطى أوالعليا لابد أن يكون المدير ملماً بإجراءات العمل الإداري، إذاً المشكلة ليست في الإدارة، فقد أشبع المختصون هذا العلم بكثير من النظريات والمبادئ التي تتجدّد مع الظروف الحياتية، وتختلف بحسب الظروف المكانية، فاليابانيون لهم أسلوبهم الإداري الذي يختلف عن الأمريكيين، والعمل الإبداعي حق مشاع للجميع فالمشكلة تكمن فيمن لديه القدرة على مسك زمام الإدارة بمهارة عالية، وبطبيعة الحال يحدث التفاوت في استيعاب هذا العلم وتطبيق فنونه من شخص لآخر، وتكون النتائج والمخرجات بطبيعة الحال مختلفة ومتباينة، ومن خلال عملي السابق في إدارتي الإشراف التربوي والشؤون المدرسية، فضلاً عن العمل الصحفي واللقاءات التي تمت مع مديري المصالح الحكومية، تبيّن لي أن بعض المديرين يحيطون أنفسهم بهالة كبيرة من الوهم، ويصدقون ذلك وهم في الواقع لا يعرفون حدود الطاولات التي أمامهم، ويثبت ذلك نتائج الفشل الإداري سواء في نتائج قراراتهم أو المستوى العلمي لطلابهم أو طريقة تعاملهم مع المعلمين ويزداد تذمرهم ظناً منهم بأن الذين حولهم غير قادرين على الرفع من مستوى العمل، وفئة أخرى من مديري المصالح الحكومية لا يسمحون للآخرين بالمشاركة معهم في اتخاذ القرار مما يجعل أسلوبهم يندرج تحت مسمّى الإدارة الاستبدادية، التي تظن أنها تحتكر المعرفة والقرار، ويرون أن الآخرين يعانون من قصور الفهم وضعف في القدرات، لذا يحتاج هؤلاء الموظفون إلى من يتحكم في شؤونهم ويصدر قرارات عنهم، فهو – أي المدير- الذي يقترح المشاريع ومواقعها، ويحدد مواقع رؤساء الأقسام بحسب مزاجه لا بما يمتلكه من قدرات، ويحمله من مؤهلات، والآخرون يبصمون على ذلك، هنا تزداد التبعية، وتبرز الطاعة العمياء، ويتولد في هذه البيئة الموظفون الذين يوجهون دفة العمل بما يتوافق مع رؤية المدير، بل إن بعضهم يستغل هذا المناخ المشوب بالعشوائية لينال من المتميزين والمبدعين، طمعاً في ترقية، وحيازة على دورة تدريبية كي يفوتها على الآخرين، لذا تكثر الآفات الإدارية (اهتزاز ثقة، نفاق، تملق، غيبة، توتر في العمل، ضعف المخرج، كراهية، تسرب الكفاءات الجيدة، إحباط، إجهاض الإبداع) وهناك نوع آخر فوضوي غير مستقر على حال معين، متناقض في آرائه، مهزوز في قراراته، ويغلب على هذه البيئة الإدارية الظنون السيئة، وفتور العمل، وتربص الأخطاء بحسب مزاج المدير أما الإدارة «القردية» فهي النوع الأسوأ حيث إن المدير يعزل نفسه عن الآخرين لا يشجع على تنظيم الاجتماعات، باب مكتبه مقفول، مزاجه معكر، وبالتالي تدير المؤسسة نفسها بنفسها بطريقة تؤدي إلى الفشل، ولِما تُمثّله النظريات الإدارية من ضرورة للارتقاء بالعمل وتحسين للكفايات، إلا أن ذلك يقابله – مع الابتهاج – وجود مديرين قادرين على إنجاز العمل بطريقة متميزة وفي وقت قياسي، ويرفد نجاحه تواصله الاجتماعي، واستثماره الجيد لطاقات الآخرين، مع تحفيزه للإبداع والمبدعين في العمل، وبهذا حتماً ستكون المخرجات والنتائج جيدة، أما المديرون الفاشلون فيمكن الاستفادة منهم في شرح طريقة الفشل، لأنهم يمثلون الأنموذج الأسوأ في الإدارة عندها يمكن للآخرين تجنب السير في هذا النهج.
السؤال كيف يمكن قطع دابر المديرين الفاشلين الذين يسيئون للمجتمع بقصد أو غير قصد؟ من خلال رؤيتهم الضبابية وعجزهم الإداري وفشلهم البيّن؟
وفي ذات الوقت كيف نتمكّن من توفير أكبر قدر من المديرين المجيدين الناجحين الذين يُكرّسون جهودهم من أجل إنجاح العمل، على اعتبار أن الإدارة أمانة قبل أن تكون مهنة أو وظيفة؟
فقط بصياغة وإعداد استبانة بحث من متخصصين في علم القياس والتقييم، ويقوم الموظفون بتعبئة بنودها بكل شفافية وشجاعة بعيداً عن أنظار المدير، بعدها حتماً سيتبيّن أي خسارة نعيشها مع هذه الفئة من المديرين الذين يُغلّبون مصالحهم وأهواءهم، نحتاج بالفعل إلى آلية دقيقة عند ترشيح المديرين وفي جميع أنواع الإدارات الوسطى والعليا مع ضرورة المتابعة والتقييم المستمرين، وإبعاد العواطف التي هي السبب الأساس في الغض عن مساوئ أساليب بعض المديرين طبعاً الفاشلين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٥٨) صفحة (١١) بتاريخ (٢٧-١٠-٢٠١٤)