ونحن أطفال صغار، وقبل حوالي 40 عاماً، كنّا نصيّف في منطقة مرتفعة قريبة من قريتنا، وكنّا نبني خيامنا على ضفاف وادي «جثل»، ونقضي ليالينا في بطن الوادي لنستمتع برماله الفضية، فترانا ننام، نحن الأطفال، في الوادي، تحت السماء الصافية، في جو طبيعي رائع.
هذا الوادي، تجري عبره سيول من عدد من الأودية، ومن أماكن بعيدة، فلا نرى إلا ووادينا ذلك ينحدر منه سيل ضخم دون أن يكون علينا أيّ مطر، فأصبحنا في خطر من تلك السيول المنقولة، وكلما جاء وقت النوم تأتي جدتي بهرّتها وتربطها بجوارنا، وكنّا نظن أنها من أجل حمايتنا من الثعابين التي تتكاثر في ذلك الوادي، وذات ليلة، بعضنا قد خلد إلى النوم، وبعضنا الآخر مازال يراعي القمر في وضوحه الريفي، فإذا بتلك الهرّة تتفلّت من رباطها ذلك مع إطلاقها صرخات مواء مُريبة، وكأنها تنذرنا من خطرٍ ما، لم نرَ شيئاً، استيقظت جدتي من النوم مفزوعة، وأخذت تصرخ فينا: «السيل .. السيل ..» فأخذنا فرشنا، وعُدنا إلى خيمتنا.
نفِّذنا أمر جدتي، لأنها من النوع الذي يستخدم «العجراء» في كثير من الأحيان، وما هي إلا دقائق وإذا بصوت مفزع من أعلى الوادي وإذا بسيل منقول، لم أرَ أضخم ولا أسرع منه، سلّمنا الله منْه، قضينا ليلتنا في خيمتنا، وفي الصباح استيقظنا، وبادرنا جدتي بأسئلة عديدة عن كل ما حدث.
تذكرتُ تلك الحادثة وأنا أقرأ خبر العالِم الألماني «فيكيلسكي»، الذي قدّم دراسة حول الحاسة الحيوانية السادسة، تجاه الكوارث الطبيعية (البراكين، الزلازل، الفيضانات وغيرها) التي ستكون أساساً لمشروع «إيكاروس»، لمراقبة سلوك الحيوانات بالأقمار الصناعية، والتنبؤ، على أساسها، بما قد يُلمّ بالبشرية من كوارث، وسيتم إطلاق قمر صناعي لهذا الغرض في العام 2015، للحصول على إنذار مبكر ضد الكوارث.
هذا العالِم له جهود كبيرة في رصد ومشاهدات سلوك الحيوانات قبل وأثناء وبعد الكوارث، إدراكاً منه بوجود هذه الحاسة العجيبة لدى الحيوانات، للتنبؤ بالكوارث قبل وقوعها، ومنها زيارته جنوب شرق آسيا، في أعقاب تسونامي قبل 10 سنوات، وتوثيقه حقائق ثابتة عن هروب بعض الحيوانات من المناطق الساحلية، قبل ساعات من وقوع الكارثة.
لكن جدتي سبقته بـ 40 عاماً!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٥٩) صفحة (٤) بتاريخ (٢٨-١٠-٢٠١٤)