لما كانت الطبيعة كالمرأة الحسناء هي المحرك لقرائح الشعراء، فالباحة جديرة بأن تكون المحرض الأجمل والأحلى لقرائح الشعراء، يتغزلون في مفاتن عينيها الخضراوين ورهافة جسدها المخملي

جميل أن تلتقي القصيدتان المترعتان بالشوق والود والورد، قصيدة الباحة الغناء، عروس السراة، الطبيعة الفاتنة، النجمة الوسنى التي تتربع على قمم الجبال، وقصيدة الشعر الباذخة التي تفيض بهاء وحسناً من أفواه الشعراء المجيدين المشاركين في مهرجان الباحة الشعري، يلتقي العاشقان في غرف القلب وبين أهداب السحاب كغزالتين من ذهب، وعلى رفيف المشاعر، ويطول وشوشتهما عن الحب والغرام، ويستمران في نثر شجنهما الأزلي ليتماهى ورداً وعطراً عبقرياً بين أعطاف الغيوم الفضية، ويتشكّل كأجمل وأثمن عقد، وبعدها يهل الغيم نشوان ليصدح بالقصيد ويسقي الأرض والزرع، عندها تتحوّل الأشجار والجبال والأودية والأزهار والطيور إلى منظومة شعرية، تطرب لها النفوس وتطمئن لها القلوب، موعدٌ غراميٌّ تنتظره الباحة، يروي ظمأه شعراء جاءوا من أصقاع الجزيرة والوطن العربي، يبوحون بمكنونات تشتعل بين جوانحهم، خبَّأُوها كجواهر ثمينة لتندق كهتان في الباحة حيث يحلو لهم البوح بها وعنها، الشعر هو السيد الذي يحترمه الجميع، لماذا لأنه يأتي كنسيم الصباح العليل تارة، وتارة أخرى يأتي كخيل جامح يصعب كبح جماحه، والشاعر تطيعه الكلمات وتتلدن في فمه العبارات ليصنعها كجواهر مشعة، أو كأقمار لامعة في قطيفة السماء.
ولما كانت الطبيعة كالمرأة الحسناء هي المحرك الأساس لقرائح الشعراء، فالباحة جديرة بأن تكون المحرض الأجمل والأحلى لقرائح الشعراء، يتغزلون في مفاتن عينيها الخضراوين ورهافة جسدها المخملي ويشاهدون منجزها الحضاري والإنساني، فالإنسان هو الذي يبهج المكان «والباحيون» يمتلكون الحس الشاعري والجمالي والوجداني.
الباحة قصيدة عشق حروفها عصافير فرح، وفراشات ملونة تتماهى مع تشكيلات السحب وقطرات المطر لتصل إلى مياسم الأزهار والورد..الباحة وردات بيضاء زاهية نقية تمنح أريج عطرها وصادق حبها للجميع بدون استثناء، للباحة قصة موغلة في القدم، قصة التاريخ والجغرافيا.. قصة الإنسان الذي شمّر عن ساعديه وأحال جبالها الشوامخ إلى مصاطب زراعية زاهية الخضرة لتنبت بين أصابع أهلها حقول الحنطة وعرائش العنب وغضاريف اللوز.
بين أكتاف جبالها عاش صاحب لامية العرب (الشنفرى) الذي أيقظ البلاغيين والنحاة والنقاد ليتهجوا أبيات قصيدته، ويتغنوا بروائع بلاغتها، وحسن سبكها، وجمال صورها.
ومنها أبو هريرة الصـحابي الجـليل الـذي روى عن الرسول الكريم ما يزيد عـن 4 آلاف حديث. وظبيان الأعرج القائد المسلم الذي حـمل الراية يوم القادسية، وأيضاً مبتكر العروض ومعلم سيبويه العالم (الفراهيدي).
بيئة الباحة بما فيها من جداول ..وأشجار..وغيوم.. وجبال.. ومنازل حجرية هيأت الجميع لأن يكونوا شعراء وإن لم يـكونوا كـذلك، فـهم متذوقون الشعر..
الباحة التي تتنسم جبال السراة..لتكون قـريبة جداً من السحاب..أبت إلا أن تغطي وجـهها بشـال أبيض شفيف.. هبة السماء للأرض، وتحتجب كعذراء مياسة عن الأنظار لأسابيع لتخرج كالياسمين .. ضاحكة .. مستبشرة .. متفائلة.
الباحة فريدة في مناخها تجمع فصول السنة في يوم واحد، ينتشر في نهاراتها الضباب كملاءة بيضاء، وتهب النسائم الهادئة لتضوع الأنوف بشميم الكادي والريحان..وتبوح في لياليها المقمرة بلواهب الوجدان.. وصادق المشاعر لكل الأنقياء.
القادمون للباحة إلى جانب ما سوف يبوحون به من قصائد رقيقة، سيكون لهم زيارات لمواضع سياحية، وقرية ذي عين التهامية ستتحول إلى عذق كادي احتفاء بالزوار
تلك القرية التي تتكئ عند أقدام الجبال، جديرة بأن تلهب قرائح الشعراء المفتونين بحب الطبيعة، حيث تمنح بيوتاتهم الحجرية، ومزارع الموز والكادي والنباتات العطرية لحظات التجلي ليحلقوا في فضاء الإبداع، وإذا ساروا إلى غابات الزرائب في محاضن زهران ستتحول أشجار العرعر إلى أعراس حب ومباهج فرحة وسيكون للسمر طعم خاص، أما رغدان سـحر جمالي تخلد في ذاكرة زائريها وتلك الغـابة الصغيرة ستتحول إلى قنديل مضيء في عيون الشعراء، وكان أحد الأدباء الزائرين لها بعد أن متـع ناظريه في جنباتها أطلـق عليها «أمثولة الرب».

ومضة:
الشاعران الجـميلان الدكتـور صالح بن سعيد الزهراني وعلي الدميني اللذان سـيتم تكريمهما في مهرجان الباحة الشعري، جديــران بالتكريم، استمطرت قرائحهما بجماليات الباحة، نقتطف بيتين من قصيدة ( الباحة القصيدة) للشاعر صالح الزهراني:
أميرةَ الحب ماتَ الحبُّ فانتفضي
وحرِّكي مِعزَفي المخبوء واقتربي
مدّي ضفائرك الخضراء فوق يدي
وسامري رعشةَ الموَّال وانسكبي

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٦٥) صفحة (١١) بتاريخ (٠٣-١١-٢٠١٤)