درس كبير في قرية صغيرة

اللغة واضحة ومباشرة وبليغة ومعلنة (تصوير: طالب الصولان)

طباعة التعليقات

الدمامعبدالله الراشد

قبل مساء الإثنين 3 نوفمبر، لم يكن يُعرَف عن «الدالوة» سوى أنها قرية صغيرة تقع في محافظة الأحساء شرق المملكة.
لكن ما وقع فيها في تلك الليلة وفي الأيام التالية كان سبباً كافياً لتحوُّل القرية الصغيرة إلى عَلَمٍ في رأسه نار.
شغلت «الدالوة» وسيرتها الناس على مدى أسبوع، ليس لأن سبعة من أبنائها راحوا ضحية الإرهاب، وإنما لأن أهلها قدموا درساً في التمسك إلى أقصى درجة بالسلم الاجتماعي.
ومع سقوط أول مصاب، أدرك أهالي القرية أن القاتل لا يستهدف أبناءهم في ذاتهم، وإنما يرمي إلى إطلاق الرصاص على اللُّحمَة الوطنية، ويستهدف تهيئة المسرح لأحداث طائفية، فجعل الأهالي أنفسهم حائط الصد الأول الذي يدفع عن الوطن هذه الفتنة ويمتص الصدمة نيابةً عن المجتمع.
وبناءً عليه، لم يخرج منهم من يتهم طائفة بعينها باستهداف طائفة أخرى، ولم يتحدث منهم أحد بلهجةٍ متشنجة، فانقلب السحر على الساحر ومُنِيَ الإرهابيون بالفشل التام.
رد فعل أهالي الدالوة، وما أعقبه من ردود أفعال في كافة مناطق المملكة، أثبت أن المجتمع السعودي بخير وأنه ينفر من الطائفية والعنف.

المثقفون يثمِّنون موقف «الدالوة» ويؤكدون أن ردة الفعل رمز في تعزيز وحدة الوطن

قرية صغيرة تقدم درساً كبيراً

الدمامعبدالله الراشد

الأهالي المسالمون أعلنوا تمسكهم بالسلم الاجتماعي
أثبتوا للعالم تماسك الوطن وقوته في وجه الطائفيين
خابت نيات الإرهابيين وصُدِموا من ردة فعل «الدالويين»

قد لا يعرف كثيرون في الداخل والخارج شيئاً عن قرية «الدالوة» في محافظة الأحساء قبل الحادث الإرهابي الأليم، الذي استهدف بعض أبنائها، ولكن يبدو أن القرية باتت اليوم علما في رأسه نار، يعرفه القاصي والداني، ليس بسبب الحادث والمصاب الجلل، وإنما للدروس والعبر التي صدّرها سكان القرية المسالمون لمن يهمه الأمر، وأكدوا فيها أن الشعب السعودي جزء لا يتجزأ، وأن الوحدة الوطنية خط أحمر، ممنوع الاقتراب منه، وأن التآلف والتعاضد بين أبناء المملكة قديم وسيبقى إلى أن يشاء الله.
موقف أهالي «الدالوة» وردة فعلهم، عززت اللُّحمة الوطنية للمملكة، وبعثت برسائل للمتطرفين الذين استخدموا الطائفية المتطرفة في محاولة منهم لتمزيق اللحمة الوطنية، بأن سعيهم قد خاب، وأن نسيج المجتمع السعودي متماسك إلى أقصى حد..

لحظات الوداع

صور شهداء رجال الأمن، كانت تجاور صور شهداء الدالوة في الحسينيات والشوارع، لم يُفرق بينهم عند وداعهم الأخير، كلهم كانوا سواء، وكانت الحناجر تردد في لحظات الوداع المرة عبارة «هذا الوطن ما نبيعه إخوان سنة وشيعة»، وازدانت شوارع الأحساء بالصور والعبارات الوطنية، التي تثبت بالدليل القاطع أن الجميع أبناء وطن واحد، وأن الجميع متماسكون، ولن يستطيع عمل إرهابي فاشل أن يمزق لحمتهم ويشوه صور الترابط التي امتاز بها المجتمع الأحسائي والوطن بأسره.

بيان لبرهان الحقيقة

وعزز عدد من المثقفين وأهل الرأي في محافظة الأحساء الدروس المستفادة من اللحمة الوطنية، عندما أصدروا بيانا أمس الأول، جاء فيه «نحن علماء ومثقفي الأحساء، قد تابعنا بألم وأسف الحادث الإجرامي الذي وقع في قرية الدالوة في الأحساء، حيث قامت مجموعة منحرفة بإطلاق النار على المواطنين الأبرياء ما أدى إلى سقوط ضحايا ومصابين دون ذنب». وأشير في البيان إلى أن أهالي الأحساء عاشوا قرونا طويلة وبنوا مجتمعهم بشكل أسهم في جعلهم مضرباً للمثل في التسامح والتآلف والتراحم، وسيظلون كذلك حريصين على السلم الاجتماعي واللحمة الوطنية، ومتعاونين في مسيرة التنمية والبناء».

حماية الأرواح

وأكد الموقعون على البيان رفضهم للاعتداء على أموال الناس وأرواحهم وكل ما يسوِّغ مثل هذه التصرفات من الأفكار الغريبة على المنطقة، مطالبين بضرورة التصدي لها بحزم لحماية الأرواح، مشيدين بالموقف الوطني الذي سُجل من قبل كل من بادر إلى استنكار الجريمة، ممن تضرر بشكل مباشر بأثارها، واتفقوا على عدم توصيف الحادث بأنه فعل يمثل أي طائفة، كونه فرديا، لا يمثل رأيا واحدا من أهل المذاهب السائدة في محافظة الأحساء».
وذيل البيان بتوقيع المشاركين فيه وهم الدكتور علي الضويحي، أحمد ابراهيم الهاشم، الدكتور أحمد الحليبي، الدكتور محمد العلي، الدكتور محمد بن عبدالرحمن العمير، الدكتور خالد بن سعود الحليبي، الدكتور مبارك بوبشيت، الدكتور عبدالإله العرفج، إبراهيم بن عبدالله آل الشيخ، الدكتور عبداللطيف الحسين، الدكتور أحمد بن حمد البوعلي، الدكتور فيصل بن سعود الحليبي، الدكتور حمد الحماد، محمد النافع، فهد الخضير، لؤي بن عبدالله الهاشم، ماهر سعد الخوفي، نبيل القاضي، وخالد بن حمد الخالدي.

اللحمة الوطنية

عبدالله بن بخيت

عبدالله بن بخيت

وتجاوزت أصداء درس اللحمة الوطنية، مساحات خارج نطاق الأحساء، فمن كندا، قال الكاتب والروائي عبدالله بن بخيت: «تابعت بكل ألم ما حصل في الدالوة من جريمة لا تقرها الإنسانية، وليست من الإسلام في شيء، وهي من فعل أرباب الفكر الضال، أولئك الذين يسعون للخراب والدمار بشتى السبل والحيل الرخيصة، وما شدني خلال متابعة هذا الحدث المؤلم، تماسك أهالي قرية الدالوة، وحرصهم على التأكيد على اللُّحمة الوطنية، وعدم الالتفات إلى مساعي الفئة الضالة، التي لا تريد للوطن أي خير».

صورة إنسانية

وأضاف «ليس من الغريب أن تقدم التهاني قبل التعازي لأهالي الدالوة، فرغم مصابهم الأليم، وفقدانهم الأخ والأب والأم والأخت في هذه الحادثة، إلا أنهم بعد وخلال تشييع جثمان شهدائهم، قدموا صورة إنسانية تدل على معدنهم الأصيل حيث كان صور شهداء رجال الأمن إلى جانب صور شهدائهم في الحسينيات والمسيرات، وهذا يؤكد بأن أبناء الدالوة برهنوا للعالم كافة، بأن الوطن واحد، وبأنه لا فرق بين سني وشيعي، وهو درس عظيم، سيخلد في ذاكرة الوطن لعقود طويلة، ولابد من الاستفادة من هذا الدرس من قبل كل أطياف الوطن وطوائفه وجعله منطلقا للحرص على الكلمة الواحدة والتلاحم في سيبل الوطن وضمان أمنه واستقراره».

أهداف الإرهاب

ناهض الجبر

ولحق بركب المثقفين المتعاملين مع هذا الحدث رئيس المجلس البلدي في الأحساء ناهض الجبر الذي قدم العزاء لأهالي الدالوة، وسجل إدانته لهذا الإجرام اللعين، وقال: «لابد أن يكون الدرس الذي قدم في الدالوة حافزا لتمسك سائر السعوديين بوطنهم وزيادة في دفعهم إلى التمسك بالمبادئ الأصيلة، التي تحث على التلاحم والمحافظة على ممتلكات الوطن، وعدم ميله للطائفية، وهو فرصة سانحة لنبذ كل فكر ضال والتصدي له بعزم وقوة، وختم الجبر حديثه بالإنشاد شعراً

يا مشعل النار في أحسائنا حسدا
خابت نواياك في سر وفي علن
أما وجدت سوى الأحساء تمطرها
شرا وتبذر من بذرة الفتن

قاعدة وطنية

ومن ناحيته، علق فضل بوعينين قائلا «أولا لابد من الإشارة إلى أن هذه العملية هدفها الرئيس، ليس قتل الأبرياء بذاتهم، بل قتل اللُّحمة الوطنية وإشعال الفتنة الطائفية في مجتمعنا، ويتضح ذلك من خلال اختيار الفئة الضالة لقرية نائية بحجم «الدالوة» لتنفيذ مخططهم الدنيء، ولابد أن نعلم بأن هذه القرية قبل الحادثة هي في الأصل متسامحة، ويتعايش أهلها بشكل يضرب به المثل، فهم جزء من نسيج المجتمع الأحسائي الذي عرف عنه التلاحم والترابط الأسري والاجتماعي».
وأضاف «علينا التفكر جيدا في عملية اختيار الموقع، لتنفيذ هذه العملية القذرة، فالإرهابيون اختاروا القرية لتكون منطلقا لنشر النعرات وتأجيج الفتنة الطائفية بين السعوديين، بحيث يتحول الخلاف بين المعتقدات المذهبية من صراع فكري إلى صراع عنيف، يستغل من أعداء الوطن وأولهم المنظمات الطائفية والإرهابية».

بوعينين: ردة فعل الدالوة نقطة انطلاقة لبناء قاعدة وطنية

فضل بوعينين

طالب المحلل الاقتصادي فضل البو عينين بضرورة «استغلال تعامل أهالي الدالوة مع الحدث، وتأكيدهم على اللُّحْمة الوطنية من خلال هتافاتهم وردة فعلهم السمحة، لتكون نقطة انطلاقة لبناء قاعدة وطنية تحفِّز جميع الأطياف والمذاهب التزام الوطنية ونبذ كل فكر ضال، يتعارض مع أمن الوطن واستقراره». واستطرد قائلا «لو نجحت عملية الدالوة بشكل تام، فلن نستغرب أن تتبعها عمليات أخرى في مساجد السنة، لكي يجعلها الطائفيون والإرهابيون بصورة الرد السني على ما حدث في الدالوة، وهذا والحمد لله ما تم إحباطه من خلال جهود رجال الأمن، ومن خلال ردة فعل أهالي الدالوة، التي قدمت لهم، على الرغم من ألم فقدهم لضحاياهم، درساً جميلاً ورائعاً في التأكيد على أن السعودية وطن التعدد، وموطن الأمن والأمان، الذي يستطيع بقوته السياسية والأمنية والفكرية التصدي للأفكار الهدَّادمة».

رجال الأمن كانوا جزءاً من المشهد الوطني

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٧٢) صفحة (٩) بتاريخ (١٠-١١-٢٠١٤)