* القمة الاستثنائية عبَّدت الطريق لإنجاح قمة الدوحة المزمع عقدها في ديسمبر المقبل. وهذا يسجل لمبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي أراد أن تستمر القمم السنوية دون انقطاع

لاشكَّ أن المبادرة التي قدمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بالدعوة إلى قمة استثنائية لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يوم الأحد الماضي وحضرتها الدول الست، تعتبر مبادرة جاءت في اللحظات الأخيرة التي تسبق قمة الدوحة الاعتيادية التي كانت في مهب الريح بسبب الخلافات المستفحلة بين 3 عواصم خليجية والدوحة على خلفية الموقف من جماعة الإخوان المسلمين الذين تم تصنيفهم في الرياض وأبوظبي جماعة إرهابية خارجة على القانون ينبغي مواجهتها.
جاءت قمة الرياض الاستثنائية لتضع حداً للتداعيات التي شهدتها العلاقات الخليجية الداخلية وهددت مجلس التعاون في صيغته الحالية كما هددت الطموح في الانتقال من التعاون إلى الاتحاد، وهي الدعوة التي أطلقها خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبد العزيز نهاية 2011، في وقت كانت دول عربية عديدة تواجه تداعيات إسقاط أنظمتها بينما كانت بلدان أخرى تعاني من احترابات دموية أتت على اليابس والأخضر، وكانت دعوة العاهل السعودي الوحدوية قد جاءت انطلاقاً من ضرورة مواجهة المجهول الذي حلّ بالمنطقة بعد انتشار «الفوضى الخلاقة» في أكثر من عاصمة عربية.
كانت قمة الرياض الاستثنائية ضرورية لرأب الصدع الخليجي. وقد حققت جزءاً مهماً من هدفها بإعلان الرياض وأبوظبي والمنامة إعادة سفرائها إلى الدوحة بعد فترة طويلة من سحبهم، ما يعني أن الجليد المتراكم مع قطر قد بدأ في الذوبان لصالح العلاقات البينية وتمتينها. وهذا يعني أيضاً أن مسألة الإخوان المسلمين قد تم تسويتها بطريقة ما لم تكشف كل تفاصيلها بعد، إلا أنها على السكة التي رغبتها السعودية والإمارات والبحرين وإن بنسب متفاوتة، فضلاً عن الجانب الإعلامي الذي تمارسه قناة الجزيرة القطرية التي شكلت، هي الأخرى، عقبة كأداء في هذه العلاقة الملتبسة التي استنزفت كثيراً من الجهود على مستوى العلاقات الرسمية بين دول مجلس التعاون.
صحيح أن الكويت وعمان كانتا بعيدتين عن «بوز مدفع» الخلافات، إلا أنهما تأثرتا بها من حيث الشلل الذي أصاب ماكينة دول المجلس بعطل كبير قاد إلى تساؤلات جدية أطلقها بقلق مواطنو دول المجلس حول مصير هذه الكتلة التي بقيت صامدة قياساً إلى التكتلات الإقليمية العربية الأخرى التي اضمحلت مع الوقت. وهي تساؤلات مشروعة خصوصاً حول موضوع الوحدة الخليجية التي سمع عنها أبناء المنطقة منذ تأسيس مجلس التعاون في العام 1981، وقرأوا بأن الجواز الموحد سيكون في العام 1987 لكنه لم يأت، كما قرأوا عن العملة الموحدة وسكة الحديد التي تربط بين العواصم الخليجية، فضلاً عن توحيد النظم والقوانين والإجراءات تجاه كثير من المسائل الاقتصادية ذات الصلة بالوحدة الخليجية الحقيقية التي من شأن تحققها أن تؤسس لكيان اقتصادي كبير، لو تحقق اليوم لأصبح يتمتع بناتج محلي إجمالي يفوق 1.5 تريليون دولار، أي في المرتبة الثانية عشرة عالمياً.
قمة الرياض الاستثنائية عبدت الطريق لإنجاح قمة الدوحة المزمع عقدها في ديسمبر المقبل. وهذا يسجل لمبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي أراد أن تستمر القمم السنوية دون انقطاع، بالإضافة إلى استمرار القمم الاستشارية التي تعقد في العادة منتصف كل عام. فالمنطقة معنية بما يجري حولها من تداعيات كبرى خصوصاً على الصعيد الأمني والعسكري والتفتّت الداخلي لدول الجوار، كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن. وهي تداعيات لا يمكن إشاحة الوجه عنها، بل تتطلب مواجهة الاستحقاقات بجدية كبيرة خصوصاً الاهتمام بالداخل الخليجي الذي يحتاج إلى تحصين أكثر عبر الانفتاح عليه وتجسيد الوحدة الداخلية في دول المجلس وتعزيز المواطنة الخليجية بقرارات جريئة تزيح الغمة عن المنطقة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٨٣) صفحة (٩) بتاريخ (٢١-١١-٢٠١٤)