* شكَّلت البطالة وأزمة الإسكان والأجور المتدنية، إلى جانب النظام التعليمي، عوامل ضاغطة أفرزت مجموعات مستعدة للذهاب إلى الحور العين في ومضة عين لتفجر نفسها أو تفخخ سيارات أو تهاجم الآمنين في أماكن تجمعاتهم

على خطين متوازيين، يجري الحديث هذه الأيام عن شد الأحزمة في منطقة الخليج، حيث تتجه الأنظار إليها في مسارين لكنهما في نهاية المطاف يلتقيان ليشكلا المشهد العام الذي سيكون حاضراً بقوة، قد تكون حاسمة في بعض الأحيان، ليتحدد مصير الخليج في العقود المقبلة.
ربما يكون مشهد الأشلاء المتناثرة في سوريا واليمن والعراق بسبب العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة والاحتراب الداخلي والإقليمي والدولي، هو المشهد الأكثر رعباً هذه الأيام. والمؤسف أن خليجيين شباباً في عمر الزهور هم من يقوم ببعض هذه العمليات المرفوضة والمدانة. فهم يتسببون، بالإضافة إلى قتل أنفسهم، في سفك دماء الأطفال والنساء والشيوخ في الأسواق الشعبية المكتظة بالفقراء المعدمين الذين يبحثون عن قوت يومهم ليفاجأوا بأحزمة الإرهاب تشظي أجسادهم إرباً، فوق ما هي مثخنة بجراحات غائرة نظراً للظروف المعيشية القاسية التي تعيشها مجتمعات الاحتراب والانقسامات الداخلية. تكثر هذه الحوادث في الآونة الأخيرة في مدن وقرى العراق كلما ازداد الضغط الأمني والعسكري على تنظيم داعش في الشمال ومحافظة الأنبار وغيرها من مناطق العراق وسوريا، خصوصاً في منطقة عين العرب السورية (كوباني) المحاذية لتركيا. لكن مثل عمليات القتل هذه حدثت بطريقة أو بأخرى في الداخل الخليجي، ولعل جريمة الدالوة بالأحساء لاتزال ماثلة أمام الجميع، بل إن أحد منفذيها ينتمي للمنطقة وكان معتقلاً في العراق بتهمة قيامه بأعمال إرهابية، حيث أفادت معلومات الأجهزة الأمنية السعودية بوجوده ضمن خلية الـ 77 المسؤولة عن جريمة قرية الدالوة.
لقد شكل خطاب الكراهية الذي انتشر في وسائل الإعلام المختلفة سبباً رئيساً في إحداث الفرقة داخل المجتمعات الخليجية، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المستفحلة التي لا تجد لها حلولاً جدية في مجتمعات لديها فائض من الثروات ومع ذلك شكلت البطالة وأزمة الإسكان والأجور المتدنية، إلى جانب النظام التعليمي، عوامل ضاغطة أفرزت مجموعات مستعدة للذهاب إلى الحور العين في ومضة عين لتفجر نفسها أو تفخخ سيارات أو تهاجم الآمنين في أماكن تجمعاتهم. ولا يمكن إشاحة الوجه عن هذه الحقيقة بغربال العلاقات العامة والادعاء بالأوضاع الطبيعية، أو برمي كرة المسؤولية على طرف هنا وآخر هناك.
ثمة أحزمة فقر تنتشر في المنطقة بالتوازي مع انتشار الأحزمة الناسفة، تؤسس لثقافة جديدة غير تلك التي عرف بها الخليج في المحيط الإقليمي والدولي. وربما تزداد هذه الأحزمة في قادم السنوات لتلتقي في نهاية المطاف لتغذي أصحاب الأحزمة الناسفة بالرجال، بينما يأتي المال من الممولين الذين بانت بعض من ملامحهم وبدأت الحلقات تضيق عليهم، ذلك أن ترك أسواق العمل في المنطقة تسير بالبركة دون إستراتيجيات جلية قادرة على استيعاب البطالة المتفاقمة، واستمرار النمط الاقتصادي القديم المعتمد على العمالة الرخيصة، سيؤدي في الخلاصة إلى وجود جيش من العاطلين المواطنين الذين لايجدون فرصة عمل لشغرها، ليس في المستويات المتدنية الأجور المحشورة بالعمالة الوافدة فحسب، بل في شواغر الوظائف التي يفترض أن يشغرها خريجو التعليم العالي في مستوياتهم الجامعية المختلفة. فنسب البطالة في دول مجلس التعاون تتزايد بالتوازي مع تزايد أعداد العمالة الوافدة، حتى أصبحت أكثرية قياساً لعدد السكان في 4 دول من دول التعاون الست.
ما يزيد المشهد غموضاً وعلاقة طردية بالأحزمة الناسفة وأحزمة الفقر، هو احتمال إعلان دول مجلس التعاون الخليجي، أو بعضها على الأقل، عن حالات من التقشف وشد الأحزمة على البطون بسبب التراجع الكبير في أسعار النفط التي بدأت تضغط على الموازنات العامة. فأغلب دول الخليج حددت نحو 90 دولاراً للبرميل نقطة تعادل في موازناتها العامة، بينما يتدحرج البرميل نحو 75 دولاراً، الأمر الذي سيضيف مصاعب جديدة إلى هذه الاقتصادات التي تعتمد على عائدات النفط بنحو 90% في موازناتها العامة. يدعم هذا الرأي معطيات السوق النفطية المتخمة بالعرض الزائد عن الطلب بنحو مليوني برميل، الأمر الذي يفرض تفاهمات بين كبار المصدرين للنفط لضبط إيقاع عملية التدفق وإجراء عمليات جراحية تمتص الفائض المعروض في الأسواق العالمية، رغم أن تحليلات وتقديرات الخبراء تفيد بأن الوقت قد تأخر أكثر من اللازم، وأن أي تقليص لن ينتج عنه تحرك الأسعار للأعلى بسبب انكماش الاقتصاد العالمي. لكن أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي، حسب المثل. وربما تسهم إعادة ضبط الإنتاج في السيطرة على تدحرج الأسعار، التي بدورها قد تعيد الوعي إلى ضرورة معالجة الأحزمة الأخرى قبل أن تزداد حزاماً للتقشف.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٩٠) صفحة (١١) بتاريخ (٢٨-١١-٢٠١٤)