لم يترك الحاج العين تنضح بالماء الجاري على مدار العام، بل ترك أثرا تراثيا على مر الزمن. و«ذي عين» القرية التي تستنطق الجمال ببهاء بنيانها وجمال عمرانها

من على شرفة منزله الحجري تمعّن «غرم» في مزارع الموز التي تملأ المكان بهجة، وراح في نشوة ينشد بالقصيد، لم يحد من عنفوان مشاعره سوى صوته الذي أسدله من حنجرته المتعبة لينساح في تجويفات الجبال ليترك صدى شجياً، في تلك اللحظة الفارهة جاءت زوجته بدلة قهوة وصحن مليء بالتمر والزبيب بعد أن اقتعد صحنا حجرياً سألته رحمة: كيف تكون لنا حياة هنيئة دون العين التي انبجست من رحم الأرض، لولا عون الله ووجودها لكان هذا المكان شعبا لا يعيش به حتى الطيور،
تنحنح غرم تلك قصة طويلة يارحمة.
يقول أبي عن جدي عن أناس ماتوا منذ مئات السنين، إن حاجا يمنيا دس نقود الذهب في تجويف عصا معه واستمر يخبئها عن الأنظار ليذود عنه غائلات الزمن، وراح في طريقه متجها إلى مكة المكرمة بهدف أداء مناسك الحج، وأثناء سيره المضني وجد بئرا فأراد الاستحمام في مياهها الشفيفة، ولشدة حرصه على كنزه المخبأ في العصا ولخوفه من قطاع الطريق أخذها في يده، وما أن طفا جسده على سطح الماء حتى انفلتت من يده ولثقلها غاصت وحاول اللحاق بها وعجز بعد محاولات من الغطس، العصا انزلقت عبر مسالك مائية في قاع البئر. كانت صدمة عنيفة إلا أن لديه مقدرة فائقة في الكشف عن المياه في باطن الأرض، راح يتتبع مسارها عبر مسارات مائية في تجويف الأرض وواصل مشيه وسفره المضني مراقباً العصا حتى حجزتها صخرة عظيمة في باطن الأرض.
وهنا تبدأ الحكاية:
أحد أفراد الوادي: من أنت؟
أنا حاج يمني.
لم أتيت إلى هنا وطريق الحجيج بعيد عن منازلنا؟
جئت ببشارة لأهل الوادي.
هه.. بشارة وما بشارتك؟
الماء الماء.
رد باستغراب: الماء؟
نعم الماء يقولها بثقة!
ذاع الخبر بين سكان الوادي.
وقف كبيرهم وقال: أتعرف ماهي عقوبتك لو كذبت علينا؟
لا.
سوف نقص لسان الكاذب.
موافق على شرطكم، هل توافقون على شرطي؟
وماهو؟
الشيء الذي يخرج مع الماء يكون من نصيبي.
بصوت جماعي: موافقون يقولونها باستخفاف.
لنبدأ الحفر..
يقول والدي عن جدي إن سكان الوادي انهمكوا وهم يحفرون الصخر الصلد، وما إن اقتربوا من الماء المحجوز في بطن الجبل حتى ناداهم وطلب منهم التوقف في هذه اللحظة الحاسمة.
أخذ إزميلا ونقر في جوف الصخر اندفع الماء كالنافورة وانسلت العصا صوب إحدى عينيه لتفقأها.. تجاسر اليمني انعطف بجسده نحو العصا ليضمها نحو صدره وسط استغراب الجميع، انساح الماء في الفلجان ووقف الناظرون في دهشة، أخذ الحاج اليمني العصا ومضى سائرا دون الحديث معهم، لافا قماشا على عينه التي خسرها في التو.
أصابت القوم الحيرة وبدأت المشورة بينهم، أحدهم قال: إن هذا ساحر وسوف يتوقف الماء بعد رحيله.
ثانٍ : ماذا نفعل إذن؟
ثالث: لنقتله.
رابع: دعوا الرجل وشأنه لقد فتح لنا باب رزق وهل نقابل الإحسان بالإساءة؟
احتدم الحوار وارتفعت الأصوات وتم تغليب الرأي الصارم، ولحقوا به وقتلوه على مرمى البصر من مكان العين، أحدهم أخذ العصا وضرب بها نتوءاً صخرياً وانتثر الذهب.
أدركوا خطأهم.
إذن هذه قصة العين.
نعم ولربما هناك قصص أخرى إلا أن هذه الأسطورة كما يحكيها الأهالي كانت سببا في نشوء القرية.. لم يترك الحاج العين تنضح بالماء الجاري على مدار العام، بل ترك أثرا تراثيا على مر الزمن. وذي عين القرية التي تستنطق الجمال ببهاء بنيانها وجمال عمرانها وبركة الماء الجاري من عينها واخضرار أشجارها وشذى عطر كاديها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٩٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠١-١٢-٢٠١٤)