تتكوّن الخريطة الإدراكية لدى الناس من قناعات ومسلمات وأفكار سابقة ومعتقدات وأعراف وعادات وتقاليد ونظم مجتمعية، في محيط الشخص، فهي – أي الخريطة الإدراكية- بمنزلة إطار مرجعي لفهم كل ما حول الشخص، ولكن من هو المسؤول عن رسم معالم تلك الخريطة؟ يشترك كثيرون في تلك العملية، ولعل الأٌسْرة تقع في المركز الأول، تليها المدرسة ثم الإعلام ثم المجتمع المحلي ثم البيئة المحيطة تباعاً.
كذلك المحيط الثقافي، المتمثل في «العقل الجمعي»، الذي، دائماً، ما يريد الاستحواذ على العقل الفردي ( المبدع)، لأنه يخاف من تفلّته وتمرده وعصيانه، لا شك أنه – أي العقل الجمعي- له دور كبير في إعاقة المبدع، لأنه يخاف من تمرد هذا المبدع فيما يجعل سيطرته معدومة لاحقاً، كذلك الخوف من حرّاس الثقافة السائدة (رجال الدين، الشخصيات النافذة في المجتمع، الساسة، المستفيدون من الوضع الراهن) يكون له – أي الخوف – نصيب الأسد في تعطيل العقل الإبداعي.
كل هذه المعيقات السابقة ليست شيئاً يذكر إلى جانب «التنميط»، وهو «وضع الناس أو الأمور في قوالب جاهزة لأخذ الأحكام المعلبة والبناء عليها»، في الواقع، هذا أمر في غاية الخطورة، وهو من أشد معيقات التفكير، لأن التنميط آفة العقل، لماذا؟ لأن العقل يجد فيه راحة ومتعة، وبالتالي يصيبه الخمول.
علينا أن ندرك أنّنا وُلدنا وَلدينا جهل بكل شيء، قال تعالى : «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً»، ولكنّه، سبحانه، خلق لنا أدوات تساعدنا على إدراك ما حولنا، لنتعلم، بل، ونبدع، فقد جاء ذكر التفكّر في أكثر من موضع في القرآن الكريم، فكل ما في الوجود خاضع للمراجعة والتفكّر والنقد والتمحيص، ما عدا الثوابت الشرعية.
إنْ أردت أن تكون مبدعاً فما عليك إلاّ أن تتوكل على الله، وتجعل كل ما تقوم به لوجه الله، تعالى، وأن تكون مبادراً، وأن تتحرر من قيودك الفكرية، وأن تؤمن بأهدافك ورسالتك في الحياة، وألاّ تستهين بأفكارك الإبداعية، وأن تحمل نقد الآخرين على محمل الجد، وأن تصبر على استهجانهم، فأفكارك الإبداعية ليست مستساغة لدى كثير من الناس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٩٤) صفحة (٤) بتاريخ (٠٢-١٢-٢٠١٤)