* تدهور الأسعار سيقود إلى تراجع الأداء الاقتصادي لكل من روسيا وإيران وبالتالي انعكاس ذلك على دعمهما للنظام السوري وحلفائه في المنطقة، فضلاً عن تقليم أظافر النظام العراقي ليكون أكثر مرونة مع متطلبات الدول الإقليمية وليترك مسافة كافية بينه وبين طهران

فجأة ودون مقدمات، تدهورت أسعار النفط قبيل حلول موسم الشتاء الذي يشهد في العادة ارتفاعات ملموسة، لكن هذه المرة بدأت في الانحدار حتى كسرت سقف الـ 70 دولاراً للبرميل نزولاً، ومن المتوقع أن تحوم حول 60 دولاراً خلال الفترة القليلة المقبلة، رغم أن أغلب الموازنات العامة في دول مجلس التعاون مقومة على أساس 90 دولاراً للبرميل باستثناء البحرين التي تصل نقطة تعادل موازنتها إلى 120 دولاراً، ما ينذر بوجود عجوزات كبيرة في هذه الموازنات، تتحملها بعض الدول بسبب تراكم الفوائض المالية كما هو الحال مع الموازنة السعودية التي حققت فوائض في ميزانياتها العامة في السنوات الخمس الماضية بلغت أكثر من 260 مليار دولار، بينما ستؤثر كثيراً على البعض الآخر خصوصاً البحرين التي تراكمت عجوزاتها خلال نفس الفترة ليصل الدين العام إلى أكثر من 13 مليار دولار، ومن المرجح أن تمنى الموازنة العامة للعام الجاري بأكثر من 2.5 مليار دولار إذا استمرت الأسعار على ما هي عليه، لتضاف على الدين العام في نهاية المطاف، وقد بدأت المنامة في شد الأحزمة عبر إصدار مراسيم ذات صلة بالوضع الاقتصادي ومحاولة تقليص العجز المتفاقم. وبالتوازي فقدت أسواق المال الخليجية والعربية نسبة كبيرة من النقاط أثارت الهلع في أوساط المتداولين وأدت إلى المماحكات بين بعض الشركات التي دخلت في حرب بيانات، لتتواصل عملية النزيف في السوق المالي.
وفضلاً عن تباطؤ نشاط المصانع في آسيا وأوروبا ما ينذر بانكماش إضافي للاقتصاد العالمي يضرب الانتعاش الهش الذي كان متوقعاً، جاءت تداعيات تدهور أسعار النفط من نحو 110 دولارات إلى 68 دولاراً للبرميل، بعد قرار منظمة النفط المصدرة للبترول «أوبك» الذي اتخذ مؤخراً، حيث أثار هذا القرار جدلاً في أوساط الخبراء والمتابعين للشأن النفطي بأطروحاتهم المتعددة والمتعارضة إزاء الإبقاء على إنتاج المنظمة أو تخفيضه، وذلك نظراً للضغط الذي يتعرض له النفط التقليدي بسبب زيادة إنتاج النفط الصخري خصوصاً من الولايات المتحدة الأمريكية التي تنتج منه قرابة 8 ملايين برميل يومياً، ما زاد في التخمة النفطية التي قد تكسر حاجز المليوني برميل في السوق العالمية. وفي التحليل أيضاً أن تدهور الأسعار سيقود إلى تراجع الأداء الاقتصادي لكل من روسيا وإيران وبالتالي انعكاس ذلك على دعمهما النظام السوري وحلفائه في المنطقة، فضلاً عن تقليم أظافر النظام العراقي ليكون أكثر مرونة مع متطلبات الدول الإقليمية وليترك مسافة كافية بينه وبين طهران. في الضربة الأولى الناجمة عن انهيار أسعار النفط فقد الروبل الروسي أكثر من 26 % من قيمته أمام اليورو والدولار، ما أثار تخوفات كبيرة إزاء ردة الفعل الروسية بفعل العقوبات الغربية عليها بسبب الأزمة الأوكرانية. قد تراهن روسيا على شتاء قارص في أوروبا لتزيد تصدير الغاز وتعوض ما فقدته من العائدات النفطية. وهذه مراهنة قد لا تكون في مكانها، وإن حدث فهي موسمية تنتهي بانتهاء فصل الشتاء وعودة الأمور إلى طبيعتها.
أما دول مجلس التعاون فإنها مطالبة بالإجابة على تساؤلات جدية إزاء مستقبل الموازنات. فليس صحيحاً أن هذه الموازنات لن تتأثر، بل إن اعتماد دول المجلس على عائدات النفط بنسبة 90% في الموازنات العامة يعني انكماشاً مباشراً في المشاريع التي كانت مقررة أو تلك التي في طور الإنجاز، حيث ستتغير الأولويات ويعاد تدوير الزوايا لما هو أكثر أهمية. إن الأولوية اليوم للمشاريع الإسكانية التي يقف أكثر من نصف أبناء دول مجلس التعاون في طوابيرها، ولمعالجة أزمة البطالة التي تزداد مع تراجع الأداء الاقتصادي بسبب تراجع أسعار النفط، وللتعليم الذي يعاني من تخلف ويحتاج إلى تغيير جذري في إستراتيجياته التي تعتمد الآن على التلقين وتخريج ما لاتستفيد منه سوق العمل، وعلى التطبيب الذي يستنزف كثيراً من أموال الخليجيين الذين تتراجع ثقتهم بالتطبيب العام وبدأوا يزدادون في التطبيب الخاص وفي الخارج.
صحيح أن الصناديق السيادية تتمتع بمئات المليارات من الدولارات في أغلب دول المجلس، لكن الصحيح أيضا أن الأزمات المعيشية في تزايد منذ عدة سنوات ولم تجد إحداها، على الأقل، طريقاً للحل في وقت البحبوحة المالية، فكيف سيتم وضع الحلول الناجعة لها في وقت الشدة المالية الناجمة عن انهيار أسعار النفط التي تعتمد عليها دول المنطقة؟
هنا يكمن الحوار الداخلي وضرورة إشراك المواطن في حل قضاياه وأزماته الإستراتيجية المتأصلة في ظل الاقتصاد الريعي الذي قاد إلى هذه الخلاصات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٩٧) صفحة (١١) بتاريخ (٠٥-١٢-٢٠١٤)