لم أستغرب حديث أمي عن الخيام الحنونة التي احتوت اللاجئين الفلسطينيين بعد الاجتياح الإسرائيلي في حرب 1948م.
قالت أمي : إن تلك الخيام كانت أكثر الأماكن أماناً وحناناً على القلوب المرتجفة، وإنها لجأت إليها وهي طفلة أثناء ويلات تهجير اللاجئين الهاربين من الذبح، ولكنها على الرغم من عفويتها، كانت بالكاد تلف أجساد اللاجئين في «عام الثلجة»، الذي اجتاح مخيمات المهجرين في تلك الفترة، حيث كان كل أفراد الأسرة يمسكون بعمود الخيمة حتى لا تقتلعها الريح فيخسرون ملاذهم البريء كدمعة طفل.
والآن تعود الخيام لتعلن حنينها على اللاجئين، لتقول للعربي إنها موجودة تنتظر أن تواسيه في نكساته وهزائمه، حتى ولو كان يعيش على خارطة عام 2014 م، وحتى لو كان العالم يعلن تحضره وافتتانه بمدن الإسمنت التي لفظته إلى قارعة المجهول.
فلم يعد يعرف للاجئين الذين هجرتهم الحروب التي اشتعلت في عالمنا العربي سوى أوطان ومدن الخيام، تلك التي شاركت العربي في هجرته وصحرائه، التي تطفو على السطح في مواسم العزاء والنكبات، فتأتي على عجل لتنتصب واقفة في وسط جرحنا العربي، متورطة بحنانها علينا.
ولعلني شعرت بنشوة الخيام عندما قرأت عن إعلانات مبهجة لخيام اللاجئين بجودة عالية، وبألوان قوس قزح، وأخرى أرجوانية، ودي لوكس، كنوع من التغيير من كآبة اللون الأسود، وتفاؤل اللون الأبيض للخيام، إلى ألوان تليق بتبعثر خيام اللاجئين على أطراف المدن العربية، كباقات وجع يئن، ظلت تلملم جراح المنزوين عن ويلات الحرب، ظلت تذكرنا بتجاعيد وجوهنا وشيخوخة حاضرنا.
أيتها الخيمة … يا أمنا الغائبة الحاضرة:
من يحنُّ منَّا إلى الآخر ؟ ومن منا يئن أكثر؟
لقد عاد الشتاء سريعاً، فأشعلي لنا ماتبقى من أوراق تاريخنا لنستعيد ذكريات اللجوء، كي يستيقظ القوم من سباتهم، ويرحموا هؤلاء الضعفاء من ويلات الشتاء، فلا خيمة تشبه الأخرى، ولا وجع يئن بدون جرح.
إننا مدينون لك بالاعتذار سيدتي، فقد حمَّلناك همومنا، وقمنا باستغلال طيبتك لأقصى حدّ، وأنتِ تستيقظين على كابوسنا العربي، وعلى وجوه الصغار والمسنين الهاربين والمعذبين بلا ذنوب.
عابرون على ظهر خيمة عابرة، مكابرون بلا أوطان، هاربون ليسكنوا قوارير التاريخ الذي يعيد نفسه في كل مرة ليقول كلمة الخيام.
يقول الشاعر قاسم حداد:
هذي خيمة ناس سوف تضيق الأرض بهم
وتلاحقهم كل سكاكين القادة والقوادين
تطاردهم سـنن الحكام المسلولة من غابات الوحش
تحاصرهم أسياف الجوع ونار القمع وسم الجنس
انظر فرأيت
حضنت الأذرع مشرعة من ناس الخيمة
– هل تعرفني ؟
من أين سأعرف يا …
قد جئت لأن الحكم يهددني بالموت إذا نمت
أنا الشارد من حريات القتل
أنا المطرود من الدار لأن الجار قوي
أنا الميت قبل الموت

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٠٠) صفحة (٩) بتاريخ (٠٨-١٢-٢٠١٤)