في مقالي السابق تطرقت لنجاح التجربة الكورية والماليزية صناعياً، وكيف أن هاتين الدولتين غيرتا حالهما الاقتصادي من حال إلى حال أفضل وأقوى، وسوف أستعرض في هذا المقال ما يمكن للمملكة أن تقوم به لتلحق بالركب الصناعي العالمي، وهذا الأمر قد يراه بعضهم مستحيلاً أو صعباً، ولكنه مع العزيمة والإرادة يتحقق كل شيء، ولو نظرنا إلى البلاد المسيطرة على العالم في مختلف المجالات، نلاحظ أن سيطرتها على العالم اكتملت بنهضتها الصناعية، وليس بمواردها الطبيعية فقط، والمثال على ذلك: دول أوروبا وأمريكا الشمالية ونمور آسيا، ولعلنا نركز في هذا السياق على تجربة دولة ماليزيا بصفتها دولة مسلمة تتساوى معنا في الدين، وأنها توسعت صناعيا بشكل عوض نقصها في الموارد الطبيعية من بترول وغيره.
نحن ندرك أن مخرجات التعليم لدينا لا تلبي احتياجات النهضة الصناعية بالمستوى الذي يتطلع إليه سوق العمل السعودي، حيث أصبح السوق مليئا بالخريجين الجامعيين الذين يبحثون عن وظائف مكتبية فقط، لأنهم درسوا علوما نظرية فقط، حتى أن أغلب الخريجين المبتعثين مع الأسف يمارسون نفس الدور بعد عودتهم مع اختلاف حصولهم على اللغة الإنجليزية فقط، بمعنى أنه ليس هناك كثير من الفرق بينهم وبين زملائهم الذين تخرجوا من الداخل، وكم كنت أتمنى أن نصف هؤلاء المبتعثين كانت تخصصاتهم في المجال الصناعي وليس التخصصات النظرية التي تمتلئ الجامعات بها في هذه الأيام، ومن هذا المبدأ لابد أن نعمل ونفكر في كيفية جعل المملكة دولة صناعية تضاهي الدول الأخرى في صناعتها، ولو فكرنا بطريقة العصف الذهني أو التفكير من خارج الصندوق في أن نتفق مع شركات صناعية عالمية كبيرة لها حضورها القوي في المملكة من خلال وكلائها ومنتجاتها وسلعها مثل: «سامسونج، هونداي، تويوتا»، وغيرها من الشركات الرائدة في التصنيع وعملنا بيننا وبينهم اتفاقا على تأهيل آلاف الخريجين سواء من الصف الثانوي أو الجامعي في مصانعها لمختلف أنواع التصنيع الدقيق مثل: التصنيع الإلكتروني، وتصنيع قطع الغيار، وخطوط التجميع، وغيرها، ويكون ذلك تحت إشراف هيئة عليا تضم أغلب الأطراف ذات العلاقة في هذا المجال، أو إسناد المهمة لأي جهة قادرة على متابعة وتنفيذ المشروع مثل وزارة التجارة والصناعة، وبعد الانتهاء من تدريب وتأهيل أولئك الشباب ورجوعهم إلى أرض الوطن، تُقدم الهيئة أو الجهة إلى شركائها الاستراتيجيين كوادر مؤهلة لدخول عصر من النهضة الصناعية من خلال تأسيس مصانع منافسة للسلع المستوردة تلبي احتياجات المملكة واحتياجات المنطقة كلها على أكمل وجه من دقة التصنيع والكفاءة والفاعلية والمنافسة المدعومة في بدايتها إلى حين ثباتها واستمرارها في السوق على نطاق إقليمي ثم على النطاق العالمي، ولعل هذه هي فكرة من الأفكار الموجودة التي يمكن أن تنفذ بشكل صحيح متى ما دعمت دعماً قوياً بالمال والكوادر البشرية المتخصصة في مجالات الصناعة.
ختاماً كل المشاريع الضخمة تبدأ بفكرة، فلماذا لا نفكر جدياً في كيفية جعل المملكة ضمن الدول الصناعية وخاصة في ظل المعطيات الكبيرة التي أنعم الله بها علينا، وآن الأوان بأن نحدث تغييراً كبيراً وواضحاً في سياساتنا واستراتيجياتنا القادمة لنجعل من المملكة دولة صناعية كبرى ضمن الدول الصناعية الأخرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٠٢) صفحة (١١) بتاريخ (١٠-١٢-٢٠١٤)