* إن المبادرة السعودية قد هدأت الأجواء ورطبت العلاقات وأعادت سفراء الدول الثلاث إلى الدوحة ليمارسوا عملهم الديبلوماسي

ثلاثة وثلاثون عاماً هي عمر مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقد فيها 35 قمة اعتيادية واستثنائية، وعدد من القمم التشاورية، تعقد عادة في شهر مايو، لكن وحين تسربت بعض الشائعات عن قمة الدوحة ظل المواطن الخليجي، كما كان يراد له، متفرجاً على المشهد، فعاجله الإعلام الرسمي بإعادة إنتاج الأغنية الشهيرة «خليجنا واحد ودربنا واحد ومصيرنا واحد»، التي تنتهي بـ«الله أكبر يا خليج ضمنا».
جاءت القمة الخامسة والثلاثون للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون بينما لا تزال ذيول الخلافات عالقة رغم أن المبادرة السعودية قد هدأت الأجواء ورطبت العلاقات وأعادت سفراء الدول الثلاث: السعودية، الإمارات والبحرين إلى الدوحة ليمارسوا عملهم الديبلوماسي، بعد جهود وساطة مضنية قام بها أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد وتكللت بانعقاد القمة في موعدها، إلا إنها اقتصرت على يوم واحد، كما أن وزراء الخارجية كان اجتماعهم قبل يوم القمة بساعات، الأمر الذي حدا بالمراقبين والمتابعين اعتبار قمة الدوحة أسرع وأقصر قمة خليجية منذ تأسيس المجلس في مايو 1981.
صدر عن قمة الدوحة بيان ختامي وإعلان الدوحة. ولأن الأول كان مفصلاً واحتوى على أربع وأربعين نقطة أبحر فيها البيان في كثير من القضايا التي تم التطرق لها بعموميات، ومنها الواقع الاقتصادي الذي لا يزال يحتاج ضوءا أخضر لكي يتم الشروع في تطبيق بنود رئيسية في الاتفاقية الاقتصادية لدول المجلس الموقعة في العام 1983، وأهم تلك النقاط السوق المشتركة والعملة الموحدة وتنويع مصادر الدخل الذي يعتمد حاليا على النفط كممول رئيسي للموازنات العامة ويكاد يكون الوحيد. كما تحدث البيان عن العمل العسكري والأمني المشترك ومكافحة الإرهاب، الذي أخذ حيزا لافتا فيه ولكن دون تعريف واضح لهذه الكلمة التي تتسع تعريفاتها حسب المصالح الاقتصادية السياسية والجغرافية والديمغرافية، فقد تهرب العالم من تعريف الإرهاب منذ قمة شرم الشيخ قبل عدة سنوات واستخدمت تعريفات مزدوجة مبنية على مصالح الدول وليس على الفهم الحقيقي والتعريف الصحيح للإرهاب الذي يفرض التزام الجميع به والانصياع لمعاييره الموحدة. فتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» لم يكن قد شكل «دولته» في الموصل والأنبار ومناطق سوريا، إلا منتصف هذا العام، وكان يفترض التطرق بالتفصيل عن هذا التطور الخطير الذي تواجهه المنطقة وبدأ شرره يصل إلى بعض دول مجلس التعاون الخليجي مثلما حصل في قرية الدالوة بمحافظة الأحساء السعودية.
تنظيم داعش لم يأت من فراغ، ولم يعتمد فقط على إيرادات منابع النفط التي سيطر عليها في سوريا والعراق ويبيعها الآن في السوق السوداء بمعرفة العالم، بل جاء متخما بأموال التبرعات والدعم أولا، والسطو على الموصل والسيطرة على أكثر من نصف مليار دولار من بنوكها ثانيا لتتأسس الدولة ويصلها أبناء الخليج بيسر بسبب وجود الحاضنات لتعثر التنمية المستدامة. بيد أن البيان الختامي لم يتطرق بما فيه الكفاية عن هذا الموضوع الخطير.
اللافت في بند الشؤون القانونية إشارة البيان الختامي لقمة الدوحة بأنه تم اعتماد «إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية»، وهو أمر يتوجب الانتباه له وللنقاط التي وردت فيه ومدى علاقتها وتماشيها وتوافقها مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، باعتبار أن الإعلان الأممي ملزم للدول الأعضاء في الأمم المتحدة ومن بينها دول المجلس، التي ينبغي عليها مراجعة قوانينها وتشريعاتها ذات الصلة بما يتوافق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وحيث إن الإعلان الخليجي لم ينشر بنصه النهائي، فمن المتوقع ألا يكون متعارضا مع المنظومة الدولية في تشريعاتها ومعاهداتها واتفاقياتها، لكي لا تفتح على المنطقة أبواباً بعد أن فتحت منذ سنوات تحت عنوان العمالة المهاجرة.
لقد أخذ الوضع الإقليمي حيزاً مهماً من البيان الختامي، فعرج على العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر وفلسطين وإيران وقضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران منذ نهاية ستينات القرن الماضي، فضلا عن الملف النووي الذي أسهمت سلطنة عمان في لعب دور محوري بالمفاوضات بين طهران والعواصم الغربية “5+1”. ربما كان من المهم الإقدام على خطوة نوعية في العلاقة مع إيران، خصوصا وأنها تتموضع على الضفة الأخرى من الخليج العربي، وهذه جغرافيا لا يستطيع أحد تغييرها بإبعاد إيران عن ضفة الخليج الأخرى. إن العلاقات الملتبسة بين إيران ودول مجلس التعاون أفرزت كثيراً من التداعيات التي شكلت عناصر ضغط على الجميع، الأمر الذي يفرض قراءات ومبادرات تتماشى مع تداعيات الوضع في الإقليم تقوم على الاعتراف والاحترام المتبادل بين ضفتي الخليج.
صحيح أن قمة الدوحة اختصرت في يوم واحد، لكنها جاءت في وضع استثنائي، وكان المطلوب منها كثيرا وخصوصا لجهة العلاقة مع الداخل الخليجي الذي يحتاج إلى اهتمام بالغ وإشراك حقيقي في صناعة حاضر ومستقبل دول المجلس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٠٤) صفحة (١١) بتاريخ (١٢-١٢-٢٠١٤)