أبها.. تلك الجملة الموسيقية التي لم يعزفها النمساوي موزارت، ولم يدرجها في سمفونياته وموسيقاه الحجرية، لأن فرقة الأوركسترا في لحن «أبها المستدام» تملك إيحاءات استثنائية، تتناوب فيها الطبيعة على خلق معزوفاتها ما بين البرد والضباب والنسمات العذبة على أنامل مرتفعاتها، فعندما يرفع جبلها الأخضر هامته، وتكتحل سودتها، وتزهو قراها ووديانها وسفوحها، ينتشي الغيم، ويتألق المطر بين معزوفات حنين الراعيات للعودة عند الغروب، ولوهج أبها خارجة بثوبها العسيري من سوق الثلاثاء، ورنة خلاخلها وعقود فضتها، تراها راكضة إلى بيوتها ومتاحفها القادمة، سارحة في وديانها، غائبة في ممراتها، حينها تحملني هذه السماء بزرقتها إلى طفولتي في إحدى قراها على خريطة القلب، وأنا أرقب نساءها يخرجن إلى المزارع يشاركن الرجال في جني قمحها، ويقفن على بناء منازلهن، ويزيِّنَّ جدرانها بـ «القط»، وينقشن أرواحهن على جدرانها.
كل شيء سماوي في هذه المدينة، الغيم المعلق على أول عتبات السماء، وأناشيد الطيبين.
أبها «فكرة» يتوجها حس مرهف لفنانيها ومبدعيها وعاشقيها، وهم يرسمون جمالها، ويكتبون قصائدها، وينسجون في دفتر المطر أناشيدها هذا هو اسمك؟
فاحفظي منه أسماء عشاقك
ذا هو اسمك؟
فلا تختلفي معه على عدد حروفه، ولا تعبئي باغتراب الوجوه، ظلي باسمك المهاجر إلى جنوب القلب، وعلمي وجوه الصغار كي ينقشوا الحرف على صخور مواسمك الأربعة التي تمر في يوم واحد، في انتظار تاجك الأبهى.
تعالي قليلاً إلى جداريات قرية المفتاحة، واقرئي أسماء من توّجت إبداعاتهم هناك، وخطوا على النقش القديم «نحبك».
كتبوا قصائدك الخضراء في انتظار الهطول، وسقطوا نجوماً بين الكتاب وبين سطور الكلام.
وقولي للعابرين عن أسباب حبك لو كانوا يعرفون عن النبض فيك!
يوجعني ويرجعني إليك مرتين قربتني منك، وأنا الغريبة فوق لحن الهاوية فصرت ابنتك، أعشقك كوكبة تغرد فوق مطالع الشمس، وأوقات الغروب على قراك عندما خطفتني الريح إلى متنزه السحاب في مواسم ضبابك، في قرى بني مازن وبني مالك، عندما واعدتني الشمس على سفحك المعلق في سماء الله.
فكلما فتشت فيك وجدت نفسي في ذرات الرمال، وتحت منحوتات الصخور، ورأيت عيني تحلق في مداك، وأنا الغريبة تعبت من منفاي إلا منك.
جلست خلف أبوابك أنتظرك، بقي من الوقت صفر، وأنا أنتظر خبز تنورك الأسمر، وأشتم من عبق الجوار ألوان بخورك، لا العمر يكفي كي أتوغل في أعشابك، ولا الوقت يكفي كي أكتب لك مالم يكتبه عشاقك الذين أرثوني غصات الحنين إليك
يا أنت.
ما حاجتي لاسمي؟
وأنت سقيتني من روح كاديك وحبقك، بعد أن صقلتني حبة قمح في نشيدك الملحمي وبزهو أيامك.
أنت حقيقتي وأنا سواك، ما قلت «لوشلك» الذي أمسي يراوغني كفى، وما قلت لمطرك الذي واعدني في المنعطفات توقف حتى يمر جدل الغيمات، بقيت صامتة في محراب حسنك وأنت تغسلين بالبَرَد أيامي، وعنت على البال كلمات الشاعر سعد زهير:
تقول «الله يطعني» وأقول الله يسبق بي
جنوبي نثر همَّه على غيمة جنوبية
أحس إني إذا قالت: «فديتك»… يا عرب ربي
تراقص بي جبال أبها مع الريح الشمالية

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٠٦) صفحة (٧) بتاريخ (١٤-١٢-٢٠١٤)