أبها ليست مدينة، بل وردة ذهبية معلقة في جيد الجبل، تمتح من ماء المطر، وتغسل أهداب عينيها بقطرات الندى، تفتح نوافذ قلبها لغيوم الروح التي تتساوق مع نسائم الصباح، تشرق عليها شموس الحب، فتتطهر أباريق الكلام وتتهذب النفوس، وفي المساء يهبط ضوء القمر كنهر فضي ليفضي السمّار حكاياتهم التي انتزعوها من شجر الروح فغدت كقصائد حسان تثير شهوة الاستماع، أبها ليست نجمة وسنى تعتلى شماريخ الجبال فحسب بل حديقة من ضوء وأكاليل من بهاء مذ زمن قديم اختارت نوع عطرها الذي استخلصته من بتلات نادرة لأزهارها ووردها، وفي أيام عرسها رشَّت به نحرها ليبقى علامة فريدة لا يغير شذاه طول الزمن، هذا السر اكتشفه الزائرون وعشاق الطبيعة وأضحوا يستحمون بندى جمالها..
العارفون بسر المدن يدركون أن المدن إما أن تكون ورداً أو أشواكاً، بصرف النظر عن اتساع ميادينها وضخامة مبانيها وكثرة سكانها وشموخ مصانعها، حيث أن للمدن أرواحاً كالبشر إما أن تكون قريبة من القلب ليسكنها العشق أو يتشكل ضدها جدار من النفور، وأبها مدينة استثناء هبطت من السماء فغدت أيقونة جمال وإبريق حسن وهرم وجدان، لينظم عنها الشعراء حروفاً خضراء تشبباً في مفاتن بهائها ومفاصل جمالها، قرية المفتاحة نافذة للقلب وباب مشرع للعقل وفسحة بهيجة للروح، كانت قبيل أيام تعج بالوافدين الذين جاءوا إليها من أصقاع المناطق استنطاقاً لفكرة باذخة ورؤية عميقة يتداولها المشاركون في ملتقى التراث العمراني الوطني الرابع الذي عُقد في عسير برعاية من الأمير سلطان بن سلمان وبحضور كوكبة من كبار المسؤولين والمختصين في فن العمارة والتخطيط وزاد من بهاء المفتاحة تلك اللوحات مابين التشكيلي والفوتوغرافي تارة تأسرك لوحة إلى مفاتن جسدها المخملي «جبال أودية ضباب ينابيع أعشاب أشجار» ولوحات أخرى تستنطق الماضي استجواباً لسؤال جوهري كيف برع السابقون في تطويع الصخور الصلدة لتتشكل إلى «منازل وقلاع وأسواق ومدرجات زراعية» لتظل ذاكرة حية على مر الزمن، أما سوق الثلاثاء فيأخذك بيدك لترتحل إلى الماضي وحين تتجول فسوف ينفتح السوق أمام ناظريك كدفتر عشق قديم ليغمرك المكان بدفئه وبموجوداته (عسل أوانٍ فخارية ملابس تقليدية غلال مصنوعات يدوية) ولمّا كانت أبها قادرة على احتواء النادر فيمكن للزائرين التماهي أيضاً في مواقع أخرى أكثر استفزازاً حيث قرية (رُجال) تلك القرية الضاربة في التاريخ ذاكرة تترجم ما كان عليه الآباء والأجداد تلك المنازل التي اصطفت كعرائس حسان بجوار الجبل ويزينها نوافذ كعيون العذارى تغتسل بشكل مباشر من أباريق السحاب كل هذ الجمال يحيل أهلها إلى شعراء وفنانين حيث راحوا يغنون ويرقصون بنشوة، من شاهد تلك اللحظة الفارهة يتيقن بأن التاريخ يمكن استرجاعه، فجدران المنازل أيضاً كانت تغني، والقصيدة كانت تهطل من شفتي القرية ليلتقطها الشاعر بحسه المرهف وينشد بها عندها يتردد لحنه الشجي بين الشعاب وفي تجويفات الجبال، إن سر جمال تلك البيوت المضيئة ليس فقط كونها منظومة بشكل متقن من الحجر والعشق والشعر بل لأن الجمال يغسلها صباح مساء، وللمواقع الشمالية في تنومة والنماص نصيبهما الفاره من الجمال وكانت قلعة ثربان والقرية التراثية شواهد تاريخية نابضة أحال أهاليها المساء إلى عرس كان اللحن والرقص الشهري سيدا المكان ما كان الجدار البشري الذي يتثنى مع الإيقاع إلا لوحة انتزعت من التاريخ فتمازج الإيقاع مع روح المكان.
وددت أن أقول إن أبها
قصيدة لم يكتبها الشعراء
ووردة اختزلت عطر الأزهار
ولغة انسكبت برحيق الشعر
ومضة:
واثقة كالملكات حين تمرين من أمامي
كطيف لذيذ أو كعصفور يملأ الفضاء غناءً وشدواً
تهتز من أجله أغصان قلبي وأهداب عيني
وتعشوشب الخضرة البهية بين جوانحي
هل لأن وقع قدميك يشبه رنين الموسيقى؟
أم أن ثمة دفئاً اكتشفته الأرض؟ وأوحت للهواء
لتُشكّل لغة باذخة تليق بك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١١٤) صفحة (١١) بتاريخ (٢٢-١٢-٢٠١٤)