مختصون يضعون وصفة لعلاج «منحرفي الأفكار»

أول العلاج .. المناصحة

المناصحة تشمل العائدين من القتال (الشرق)

طباعة التعليقات

الدمامإبراهيم اللويم

العبدالقادر: يجب إعطاؤهم فرصة للمشاركة المجتمعية
القحطاني: ظروف المعيشة قد تجبره على العودة إلى ممارسة هذه السلوكيات
السقا: الدولة حريصة على تقويم أبنائها من خلال دمجهم في المجتمع

لا يختلف اثنان على أن المناصحة مع المغرر بهم، أو الضالين فكرياً هي من الأمور المهمة التي حض عليها الإسلام؛ حيث لا يمكن إيقاع العقوبة الصارمة على الجميع، ممن يظهرون التوبة، ولا يمكن مقارنتهم بأولئك المعاندين.
لكن المناصحة قد لا تفيد أحياناً، عندها لابد من ممارسة أشد أنواع العقوبة لكي يتضح للجميع أن لا تهاون مع من يخترق أنظمة المجتمع، ويسعى لهدم أساسات الدولة.
هذا ما سعت إليه «الشرق» مع عدد من المتخصصين في التعامل مع منحرفي السلوك، لتخلص إلى هذه القضية:

الدور المناسب

في البداية طالب رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في المملكة الجهات الحكومية بالمشاركة في برنامج الأمير محمد بن نايف للمناصحة، وذلك من خلال القيام بأدوارهم تجاه منسوبيهم الذين تصدر أحكام قضائية تدينهم لارتكابهم أعمالاً إرهابية تخل بأمن الوطن.

التهميش والإقصاء

د. مفلح القحطاني

د. مفلح القحطاني

وأوضح رئيس الجمعية الدكتور مفلح القحطاني لـ «الشرق» أن ما يتعرض له الموظف من تهميش وإقصاء من وظيفته بعد خروجه من السجن قد يكون سبباً في عودته لممارسة سلوكيات منحرفة مرة أخرى.
وأشار القحطاني إلى أن الظروف المعيشية قد تجبره على العودة لممارسة هذه السلوكيات خاصة بعد أن يكون عاطلاً عن العمل، وبالتالي فإن هذا الإجراء قد يزيد من المشكلة، لهذا يجب احتواء هذا المواطن من خلال إعادته إلى وظيفته أو تأمين وظيفة أخرى تساعد على انخراطه في المجتمع ليكون نافعاً لأسرته ووطنه.

مسؤولية مشتركة

وبين القحطاني أن هذا الأمر يعد مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والجهات التي تقوم بمناصحة الشخص لمساعدته في القضاء على كل الأفكار التي قد تؤدي إلى انحرافه سلوكياً.
مشيراً إلى أن مركز الأمير محمد للمناصحة قام بالدور الذي من أجله أسس قبل نحو 10 أعوام، وأن الأحداث الإرهابية التي وقعت مؤخراً في المملكة وارتكبها عدد من الأشخاص ممن كانوا قد خضعوا للمناصحة في أوقات سابقة، اعتبرهم القحطاني أنهم لا يمثلون سوى 10% من الأشخاص الذين استفادوا من البرامج التي يقدمها المركز، وأن هذه النسبة القليلة لن تؤثر على أداء المركز.

تغيير الانحراف

وبين القحطاني أن البرامج التي يقدمها المركز تعتمد على تغيير الانحراف السلوكي والفكري والإسهام في إعادة هؤلاء الإرهابيين إلى جادة الصواب مع السعي وراء دمجهم في المجتمع، وقد تم مناصحة كثير ممن تأثروا بهذه الأفكار، وقد نجح المركز في مساعيه، ولكن هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الأعمال الإرهابية مؤخراً قد غُرر بهم من جديد عبر بعض الوسائل الإعلامية والعقائدية.

تعاون الجميع

وألمح القحطاني إلى أن المركز يحتاج إلى دعم من جهات أخرى، فهو لن يؤدي رسالته على النحو المرجو، خاصة أن الأشخاص الذين يمارسون هذه الأعمال يملكون توجهات فكرية مخالفة بسبب تأثرهم بالمجتمع والبيئة التي يعيشون فيها. مؤكداً أن مركز الأمير محمد للمناصحة يعتبر من المراكز المعروفة على مستوى الشرق الأوسط؛ لهذا فهو قادر على احتواء جميع السعوديين المنضمين للجماعات الإرهابية سواء في جيش داعش أو النصرة أو غيرهما في حال رجوعهم من مناطق الصراعات.
وقال: موضوع المناصحة هي تجربة تدعمها وزارة الداخلية ممثلة بوزير الداخلية نفسه. وقد أثبت المركز ذلك عندما قام بتغيير أفكار عديد من الإرهابيين الذين عادوا من الخارج.

تعزيز المركز

وأشار القحطاني إلى أن جميع المنضمين للجماعات الإرهابية سوف يخضعون للمناصحة؛ لأنها أمر حتمي وضروري لمساعدة هؤلاء الإرهابيين في تعديل أفكارهم التي ألحقت الضرر بالممتلكات العامة والخاصة.
ويضيف: يجب تعزيز رسالة مركز الأمير محمد للمناصحة لكي يتمكن من تأدية مهامه.
بالإضافة إلى أن وزارة الداخلية سوف تتعامل مع من يخالف القوانين التي وضعتها لمحاربة الإرهاب بحسب القانون الصادر بمكافحة الإرهاب من خلال إصدار الأحكام المناسبة حسب التهمة المنسوبة إليه.

مصلحة الفرد

د. صلاح السقاء

د. صلاح السقاء

الدكتور صلاح بن أحمد السقاء أستاذ علم النفس الرياضي والنمو والتطور البدني في جامعة الملك سعود قال: في أي دولة يكون فيها لوائح وأنظمة وقوانين يستطيع من خلالها الفرد تأمين لقمة عيشه، والتعامل مع الحياة وفق هذه الأنظمة.
مشيراً إلى أن النظام الذي وضعته الدولة للتعامل مع هذه الفئة هو لصالح الفرد نفسه، ومن ثم المجتمع، ومنها العقاب والثواب، ولهذا فإن العقاب يعد جزءاً من عملية الإصلاح ويسهم في تقويم الفرد.

التغيير إلى الأحسن

وبين السقاء أن المجتمع بشكل عام والدولة بشكل خاص حريصان على تقويم أبنائهما دائماً، من خلال دمج أي شخص يعاني من انحرافات سلوكية من خلال تأهيله وإرجاعه إلى جادة الطريق.
وبين السقاء أن الفرد هو من يستطيع تغيير سلوكياته إلى الأحسن، وقد يكون ذلك بمشاركة من المجتمع، ولكن الأهم أن يملك هذا في قرارة نفسه، ولا يرتكز على المفاهيم التي قد تؤدي به إلى أفعال وسلوكيات خاطئة.
وأشار السقاء إلى أن برنامج المناصحة يعد من البرامج المتكاملة التي تأخذ في الاعتبار كل العوامل المناسبة سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية أو المادية. وقال: لم يأت هذا البرنامج من فراغ، بل وُضع من قبل متخصصين وبعناية تامة، ولكن الأهم هو كيف نسخِّر هذا البرنامج التأهيلي المناسب الذي يعيد الفرد إلى حاضنة المجتمع.

إعادة التأهيل

وأوضح السقاء قائلاً إن الأمر المهم في هذا السياق هو كيف يتم إعادة تأهيل هذه الفئة وإرجاعها لما كانت عليه في السابق، وربما يكون هناك عدد قليل من المنحرفين لا تنفع معهم المناصحة، ولكن بشكل عام فقد أثبت البرنامج نجاحه، ولهذا نرى عدداً من الدول ممن أشادوا بالبرنامج، وما حقق من نجاحات يعرفها الجميع.

تعديل السلوك

وبين السقاء أن البيئة التي يعيش فيها الفرد هي الدفاع الأول لتعديل السلوك، خاصة أننا نعلم بأن كثيراً من هؤلاء المنحرفين تأثروا ببعض السلوكيات التي اكتسبوها من تعايشهم مع أناس غير فاعلين في بيئتهم التي يعيشون فيها، وبالتالي أصبح من السهل رجوعهم مرة أخرى إلى هذه السلوكيات المشينة. موضحاً أن إدماج الفرد في المجتمع يعد أمراً خاصاً بالفرد نفسه وبالمجتمع، ولكن للبيئة المحيطة بالفرد أهمية ودوراً كبيراً في مساعدته على التأهيل، لكنه أشار في نفس الوقت إلى أهمية تنمية مهارة الصبر لدى الفرد، في أن يلتحق بالتدريج ويرجع لأحضان المجتمع، ومن ثم يكون عضواً منتجاً. ملمحاً إلى أن هذا التدرج في بعض الأحيان قد يستغرق وقتاً، فمن الصعب أن تقنع الناس والبيئة المحيطة بهذا الفرد واعتدال سلوكه في فترة قصيرة.

تقديم الفرصة

فيما قال أ.د. عبدالله بن عبدالرحمن العبدالقادر عضو المجلس العلمي للجمعية العالمية للكوارث الكونية في ألمانيا واستشاري أول تشوهات القلب الخلقية والقسطرة الكهربائية إن الأهم في هذا الأمر هو إعطاء هؤلاء الأفراد الفرصة مرة أخرى للمشاركة والبناء مع بقية أفراد المجتمع؛ لأن ذلك سوف يسهم في تعديل سلوكياتهم المنحرفة وبالتالي عودتهم للجادة الصحيحة مرة أخرى، خاصة أنهم عندما كانوا يمارسون هذه السلوكيات قد ضلوا الطريق وابتعدوا عنه كثيراً، بل إن بعضهم كان يشعر بأنه هو الطريق الوحيد وخياره الذي لا يمكن التنازل عنه.

إيقاع العقاب

وأشار العبدالقادر إلى أن هؤلاء الذي يرجعون لجادة الصواب ويتماشون مع الأنظمة والقوانين التي حددتها الدولة ينبغي علينا كمجتمع الوقوف معهم وتذويبهم مع ما يتناسب مع متطلبات الحياة بالنسبة إليهم، أما الذين يُعتقد بأن كل أساليب المناصحة التي انتهجت معهم لم تفلح في تعديل سلوكياتهم فيجب اتباع الأنظمة التي حددتها الدولة من خلال ممارسة العقاب الذي يسهم في تعديل الانحرافات والمعتقدات التي في مخيلتهم. وهو ما يسمى بآخر العلاج الكي.

إحدى فعاليات مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة (الشرق)

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١١٧) صفحة (٩) بتاريخ (٢٥-١٢-٢٠١٤)