تأكيدات الرئيس التونسي المنتخب الباجي قايد السبسي بإعلان القطيعة مع عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، يفتح الساحة المحلية التونسية على مرحلة جديدة. السبسي دعا مواطنيه «إلى نسيان انقسامات فترة الحملة الانتخابية»، مؤكدا أنه «لا رجوع إلى الاستبداد، أنا مع طي صفحة الماضي تماما»، في إشارة إلى عهد بن علي، واعتبر الحريات الصحافية «مكسبا من مكاسب الثورة ولا رجوع عنها»، لكن الرئيس المنتخب، وبعد يومين من إعلان فوزه، تحدث ببعض من الوضوح الذي يشير إلى قلق جدي حول الوضع الأمني والسياسي المحلي، وذلك بعد اتساع رقعة الاحتجاجات في الجنوب التونسي الذي يعتبر معقلا لحركة النهضة والإسلاميين، وأدت إلى إحراق أحد مقرات حزب نداء تونس الفائز في الانتخابات التشريعية والرئاسية، فضلا عن إحراق مقار أمنية هناك. وقد شدد الرئيس المنتخب على أن «هناك تهديدا آخر من الداخل، وهو تهديد أخطر وأدهى وأمر ولابد أن نبقى في حالة يقظة»، وأفصح أكثر دون تحديد بأن «هناك مؤسسات منذ البداية أرادت تعطيل المسار الديمقراطي لكنها لم تفلح».
تونس التي عبرت عنق الزجاجة الأمنية والاحتقان السياسي بتنظيم ناجح للانتخابات التشريعية والرئاسية، وقبلها تمكنت النخب السياسية من كتابة دستور عقدي وعصري يعبر عن مكونات المجتمع التونسي قاطبة، تواجه اليوم تحديات من نوع آخر أهمها معالجة آثار مرحلة الدولة الشمولية والاستبدادية التي مثلها عهد بن علي بصورة واضحة، كما أن عليها مواجهة القضايا المعيشية التي تدهورت خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت انتصار الثورة في يناير 2011، وما لحقها من توترات قدم فيها زعيم الجبهة الشعبية شكري بلعيد والقائد محمد البراهمي حياتهما، ناهيك عن عدد من رجال الأمن والجيش أثناء المواجهات في الجبال على الحدود مع الجزائر.
تواجه تونس اليوم بطالة متفاقمة تصل إلى 16% حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، بينما يقدرها المعهد الوطني للإحصاء بـ 15.2%، أي ما يقارب من 606 آلاف عاطل عن العمل في بلد يبلغ تعداد سكانه الناشطين قرابة 4 ملايين نسمة، وهو الأمر الذي ضاعف 4 مرات عدد التونسيين الذين يطلبون اللجوء السياسي للدول الأوروبية خلال الفترة من 2009 إلى 2013، ما يعكس حجم الأزمات المعيشية، بالإضافة إلى ارتفاع عجز الموازنة العامة إلى أكثر من 7 % من إجمالي الناتج المحلي للعام المالي 2014-2013 بسبب زيادة النفقات الجارية بنسبة 17.8% في العام 2010 ليصل إلى 24.6 % في العام 2013، وفق إحصاءات البنك الدولي الذي لفت إلى أن «البيانات الرسمية كشفت أن الإنفاق الكلي على الدعم ارتفع بين عامي 2010 و2013 إلى أكثر من 3 أضعاف وأن أكثر من ثلثي الدعم يخصص للطاقة والثلث الباقي للسلع الغذائية». هذا الوضع قاد إلى تحقيق عجز بلغ 5 مليارات دولار في العام الماضي، حسب وزير المالية السابق في الحكومة المؤقتة إلياس الفخفاخ.
ولأن الاتحاد الأوروبي يعتبر أكبر شريك لتونس، فقد حرص على تقديم نحو 500 مليون يورو في الفترة من 2011 إلى الربع الأول من 2014، ووافقت المفوضية السامية في مايو الماضي على تقديم دعم إضافي يصل إلى 200 مليون يورو. إن ذلك يؤكد الاهتمام الأوروبي بالاستقرار في تونس، حيث زاد قلق العواصم الأوروبية من زيادة طلبات الهجرة التونسية لها وقربها الجغرافي وخوفها من تدهور الجوار التونسي وانتقاله لها من الزاوية الأمنية. لذلك زادت جرعات الدفع بدور أكبر لمؤسسات المجتمع المدني التونسي، حيث تم في إبريل الماضي وضع 4 محاور نوقشت في مؤتمر عقد في إبريل الماضي ضم ممثلي المجتمع المدني للشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان، وتتمثل في ضمان المساواة التامة بين النساء والرجال، وضمان استقلال القضاء والعدالة، وضمان حرية التنقل والدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وتشجيع نموذج تنمية اجتماعية واقتصادية يحترم حقوق الإنسان ويضمن الإنصاف والمساواة بين الجهات والفئات. ربما دفع ذلك الحكومة إلى الإعلان في العام الماضي عن إحداث زيادة في المشاريع التنموية، وتنفيذ إصلاحات هيكلية وسلسلة من الإجراءات لتحسين عوائد الضرائب، ومنها سن قانون فرض ضريبة بنسبة 35 % على من يتجاوز دخله 25 ألف دولار.
إن قرب تونس جغرافيا من الاتحاد الأوروبي قاد إلى دور فاعل من قبل الأخير، كما أن وجود مؤسسات مجتمع مدني مستقرة أدى إلى خروج التونسيين من عنق زجاجة الاحتقان السياسي والأمني، وأدى إلى انتقال سلس للسلطة رغم بعض المنغصات. لكن السؤال الأهم هو كيف سيقود الرئيس السبسي تونس وتنفيذ تعهداته، بقطع الصلة مع بن علي والحفاظ على الحريات العامة والشروع في الديمقراطية الحقيقية، التي تقود تونس للاستقرار الاقتصادي والسياسي وتنفيذ التنمية المستدامة. وهذا هو التحدي الذي يواجه النخبة السياسية التونسية بما فيها حركة النهضة، التي يشعر بعض أقطابها بهزيمة في العملية الديمقراطية الأخيرة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١١٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-١٢-٢٠١٤)