قريتا ذي عين بمنطقة الباحة ورجال ألمع بعسير أنموذجان جاذبان للقرى التراثية ليس على المستوى المحلي بل العالمي، وكانت القريتان مهملتين إلى وقت قريب حتى جاءت الهيئة العليا للسياحة والآثار لتعيد وهجهما وألقهما التراثي، وكانت الخطوة الأولى في الحفاظ على هذا الموروث تثقيف وتشجيع الإنسان ليتعامل مع هذا الموروث ويحافظ عليه ويحسنه ويستثمره، وشجعت الهيئة الأهالي لتأسيس جمعيتين إحداهما في رجال ألمع والأخرى في ذي عين وأخذت الجمعيتان على عاتقهما ترميم المنازل المتصدعة وإعادة المباني المتهدمة في ضوء دراسة هندسية دقيقة وعمالة ماهرة كي تنسجم مع المباني القديمة باستخدام نفس المواد من أحجار وأخشاب، وتم إنجاز ما يقارب 80% على أن يتم استكمال المتبقي في مراحل قادمة، هذا الجهد المشترك من الطرفين الهيئة العليا للسياحة والآثار بالدعم والإرشاد وتقديم الدراسات، والأهالي من خلال المساهمة والتعاون تحقق النجاح في الحفاظ على كنزين تراثيين ثمينين، كادت القريتان أن تكونا أثراً بعد عين فتصبحا من حكايات الماضي المندثر، ولمّا كانت القريتان أنموذجين ناجحين لفكرة التعاون بين هيئة السياحة والأهالي فإن هناك مواقع تراثية أخرى تحتاج إلى تضافر الجهود لاستعادة مجدها القديم كي يصبح لدينا مواقع تراثية عديدة تصلح للاستثمار السياحي سيما وكل موقع له خصوصيته المكانية والعمرانية والجغرافية. فقرية ذي عين التي تتسنم ربوة من صخور الجرانيت تشرف على غابة من أشجار الموز والكادي، تغذيها مياه تتدفق من أحشاء الجبل فجمعت القرية ما بين بهاء العمران واخضرار الأشجار في لوحة ربانية آسرة تشد أهداب العيون وتأسر القلوب، أما قرية رُجال فهي الأخرى ذات مبان شامخة تتموسق بشكل فاتن على ربوة عالية ويتدرج البناء بشكل بانورامي بحسب كنتور ارتفاع الجبال، وللجمعية هناك دورها في التحسين والتطوير حتى غدت القرية مزاراً سياحياً وتراثياً مهماً على مدار العام خصوصاً في فصلي الربيع والشتاء، وحين نفسر سبب النجاح الذي تحقق فإن ذلك يعود للتعامل الواقعي من الهيئة بنشر ثقافة الموروث وأهميته الحضارية والإنسانية والاقتصادية والجمالية وقد أثمر عن ذلك باستثمار قدرات وطاقات الإنسان ليتفاعل إيجابياً مع الموجودات التراثية، وبالفعل كانت هناك مبادرات رائعة تتمثل في ضخ مبالغ مالية لعمليات الترميم والتحسين، ورغم أن الجهود التي قُدمت كانت جيدة إلا أنها لا تكفي. حيث نحتاج إلى جهود مضاعفة خصوصاً من رجال الأعمال، فمثلا قرية ذي عين قابلة للاستفادة من كل المساحات المجاورة لها، عندها حتما ستنشط السياحة وعلى مدار العام ومن المقترحات المطروحة إيصال عربات معلقة من قمم جبال السراة ولتكن انطلاقتها من غابة رغدان مروراً على قمة جبل مهران حيث القبب السياحية وانحداراً إلى أغوار تهامة وصولاً إلى ساحة ذي عين مع ضرورة استكمال الخدمات الإضافية من فنادق ومطاعم وألعاب للأطفال وممرات معلقة فضلاً عن ترويج الصناعات اليدوية التي يشتهر بها القطاع التهامي، وكذلك تنظيم مسابقات لرياضة تسلق الجبال والمظلات الهوائية، وبالمثل في قرية رُجال.
ولما يمثله التُراث العمراني من أهمية لكونه يجسد الحياة التي عاشها الأجداد فإن هناك موقعاً تراثياً مهملاً في الباحة يتمثل في حصني الملد، الرمزين العالقين في أذهان السياح الذين حظوا بزيارة الباحة، والمأمول التفات الهيئة العليا للسياحة لهذا الموقع التراثي المهم والمهمل سيما وأن الحصنين متجاوران وما زالا يحتفظان بمتانة بنيانهما وأناقة شكلهما، والمقترح هو إحاطة الحصنين بسور حجري مع توسيع ساحاته والحفاظ على المباني المجاورة لهما، وتحويل المكان إلى متحف تراثي يضم مقتنيات المنطقة من أدوات زراعية وأوانٍ منزلية وملابس تقليدية وأسلحة قديمة وغيرها.
ومضة:
القيادة التشاركية «مدخل إستراتيجي لتطوير إدارة مدارس التعليم العام في المملكة العربية السعودية» كتاب أهداه إلي الابن الدكتور عبدالرحمن غرم الله الغامدي، ولما يمثله الكتاب من قيمة فكرية وتربوية لكونه يتعلق برأس المال الفكري من خلال الكشف عن القدرات والإمكانيات التي يمتلكها العنصر البشري، وتوظيفها التوظيف المناسب بهدف القضاء على المشكلات التربوية وتحقيق الأهداف بأعلى كفاءة وفاعلية فإنني أقترح على وزارة التربية والتعليم الاستفادة من مثل هذا الكتاب الثري بمحتواه العلمي بالشراء والتوزيع على القيادات التربوية سيما وأن المؤلف بذل جهداً بحثياً كبيراً يشكر عليه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٢١) صفحة (١١) بتاريخ (٢٩-١٢-٢٠١٤)