* كان المواطن العربي يحلم بتغيير حاله إلى أحسن حال لكن ما حصل في المشهد السياسي أصاب هذا المواطن بإحباط إزاء تغيير الأوضاع

أسدل الستار على العام 2014، بكل مراراته التي عصفت بالمنطقة وأغلبها مرحل من العام الذي سبقه واستمرار له وللأزمات السياسية والأمنية التي يبدو أنها ستستمر في العام الجاري 2015 إن لم تحدث هناك معجزات في عصر لم تعد تحدث فيه. كان المواطن العربي يحلم بتغيير حاله إلى أحسن حال داعيا ربه أن يفرج الله الغمة عن هذه الأمة. لكن ما حصل من تداعيات في المشهد السياسي أصاب هذا المواطن بإحباط إزاء تغيير الأوضاع، فراح يحلم ويدعو ربه أن تبقى الأوضاع دون تدهور، لكن هذه الأمنية لم تتحقق أيضا. فقد تدحرجت كرة ثلج الأزمات من أعلى عليين نحو الوادي تقتل الأخضر واليابس.
قد تكون تونس هي الوحيدة التي أفلتت، حتى الآن على الأقل، من فوضى العنف والإرهاب عندما تمكنت من فهم الدرس وخرجت من عنق الزجاجة بوعي وإصرار من نخبها السياسية الفاعلة التي لم تتفرج على ما يجري من تحولات داخلية وإقليمية ودولية، فخلصت إلى صياغة دستور جديد وانتخابات تشريعية ورئاسية من شأنها أن تؤسس للجمهورية الجديدة المرتكزة على الدولة المدنية الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وتشيد دولة المواطنة المتساوية المتمسكة بالعدالة الاجتماعية والمخططة للتنمية المستدامة. ولعل الانتخابات الرئاسية الأخيرة تشكل خطوة مهمة على طريق الاستقرار السياسي والسلم الأهلي والتفرغ للتنمية المستدامة.
لقد فطنت حركة النهضة «إخوان مسلمين» إلى ما ينتظرها إن هي سارت على نهج إخوان مصر فمارست درجة عالية من البراغماتية، بخلاف إخوان مصر الذين سيطروا على المجلس التشريعي والحكومة ومؤسسة الرئاسة وأدخلوا الآلاف من أنصارهم في مؤسسات الحكومة التي أصيبت بالشلل بسبب عدم قدرة الحزبيين والمنتفعين من تأسيس وقيادة الدولة الجديدة، فضلا عن استفزاز فئات واسعة من الشعب المصري الذي خرج محتجا في 30 يونيو، لتتهيأ بعد ذلك الظروف للجيش لتكون له اليد الطولى في مسار الأحداث ومستقبل مصر.
أما اليمن، فرغم جدية الحوار الوطني الذي تأسس بناء على المبادرة الخليجية ودعم الدول الكبرى، فقد غرق في عملية التفتيت والاحتراب الداخلي، إذ لم تكن الدولة المركزية قوية بما فيه الكفاية، بل كانت في أضعف حالاتها قبيل الحراك الشعبي، حيث تعاطى النظام السابق بعقلية قبلية لا علاقة لها بالدولة المدنية ودولة القانون والمؤسسات، وزادت ضعفا لأن الوعود التي أطلقها المانحون في مختلف المؤتمرات الخاصة باليمن لم تنفذ وزاد من تلكؤ المانحين تداعيات الأزمة المالية العالمية التي عصفت باقتصادات تلك الدول.
وفي العراق، وبعد عشرة أعوام على سقوط النظام السابق، تفجرت القنابل الموقوتة التي وضعت في دستور المحاصصة الطائفية، وزاد الفساد والفوضى الإدارية ليتم اكتشاف أن 50 ألف جندي الذين يتلقون رواتب من الجيش هم أشباح وليس لهم مكان في الجيش، فضلا عن حالة الفساد المستشرية التي تستنزف عائدات البلاد من النفط. قد يفسر هذا طريقة استيلاء تنظيم داعش على الموصل في لمح البصر، ودخول العراق في حرب داخلية لايزال غبارها يحجب كثيراً من الحقائق. لكن التهميش الذي تعرض له الشعب العراقي في حقب سابقة أعيد إنتاجه بطريقة أخرى يخدم من يمسك بزمام الأمور.
الوضع في سوريا أكثر إيلاما ودموية، حيث تشظت البلاد إلى دويلات للمليشيات وإمارات يوضع عليها المسلحون أميرا يبايعونه ويطلبون ممن تبقى من الناس أن يبايعوه وإلا حزت رقبته، في وقت كان التدخل الخارجي حاضرا منذ الطلقة الأولى، حيث تأسست مناطق على أسس أيديولوجية وعقائدية، والخلاصة تهجير أغلب المواطنين السوريين، إما داخل بلادهم أو هروبا من جحيم الحروب.
وفي الخليج حيث النفط العمود الفقري للحياة، لم يأت منتصف العام إلا ومنحنى أسعاره في نزول حتى بلغ نصف سعره، لتفقد الموازنات توازنها ويعلن عن تسجيل العجوزات الأسطورية التي يغطى بعضها بفوائض السنوات الفائتات وبعضها الآخر بالدين العام الذي أثقل كاهل المواطن العادي وبدأ يحسه من خلال تراجع الخدمات والمرافق العامة وخصوصا التعليم والتطبيب والبطالة التي تفاقمت لتشكل قنبلة موقوتة في وقت تزداد فيه العمالة الوافدة لتصبح أغلبية في معظم دول المجلس، تحول عشرات المليارات من الدولارات إلى بلدانها الأصلية، فيما تواصل حكومات بلدانها الضغط على الحكومات الخليجية من أجل تحسين شروط وظروف العمل وتتقدم بشكاوى للمنظمات الدولية من أجل نيل مزيد من الحقوق.
إنه عام الحصاد المر الذي يتجرعه المواطن العربي الذي لا حول له ولا قوة حيث يفرض عليه أن يكون ضحية أخطاء غيره.
كيف يمكن لنا أن نتفاءل بعام جديد والحال هذه؟ لكن من لا يملك الأمل يموت كمداً على حال الأمة التي تعيش في أحط عصورها بسبب التشظي الديني المنتشر في كل البلدان العربية.. فرق لا تعترف بوجود الآخر وتكفره وتحلل دمه قتلاً وتعذيباً.. فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٢٥) صفحة (١١) بتاريخ (٠٢-٠١-٢٠١٥)