حتى البلدان التي بلغت شأواً كبيراً في مجال الصناعة (كاليابان وأمريكا) وغيرهما تولي الزراعة جلَّ اهتمامها مع تسخير الإمكانات المادية والتقنية والبشرية من منطلق توفير الغذاء حاضراً وتأمينه مستقبلاً، ولو نظرنا إلى ما تقوم به وزارة الزراعة لوجدنا أن جهودها لا تتوازن مع ما تقدمه الحكومة من إعانات وقروض وشراء لمعدات وآلات زراعية وشراء للمحاصيل، مما يعني أن الوزارة لم تتمكن من تحقيق الهدف المنشود المتمثل في الاكتفاء الذاتي وعدم الاستيراد من الخارج، ولربما تبرر الوزارة بأن هناك عوائق تقف أمام طموحاتهم وأبرزها قلة الماء بحكم وقوع المملكة العربية السعودية في منطقة مدارية قليلة الأمطار ولا يوجد أنهار جارية، وهذا لا يعفي الوزارة من بحث بدائل أخرى واستثمار كل قطرة مطر لعدة اعتبارات أولاً: استمرار الاستيراد من الخارج يعني أنه لا يوجد لدينا قدرة على استثمار الممكن والمتاح لدينا وهي مشكلة تتعلق بضبابية التخطيط ، لأن ذلك حتماً ينسينا أن الساحة السياسية على مستوى العالم ملتهبة وبحسب العرف السياسي صديقك اليوم ربما في قادم الأيام يصبح عدوك بحسب ميزان المصالح، وليس للأخلاق في ذلك من شيء ومن هذا المنطلق ينبغي البحث عن بدائل كي على الأقل نرفع من نسبة الاكتفاء الذاتي ويكون المنتج المعروض من إنتاج مزارعنا.
وبحسب معرفتي فإن القطاع التهامي وهو مساحة واسعة تمتد ما بين جبال السراة حتى ساحل البحر الأحمر وخصوصاً المنطقة التي تقع عند أقدام الجبال مناطق زراعية جيدة حيث التربة خصبة والمياه يمكن توفيرها من مياه الأمطار التي تشكل كثيراً من الأودية لتذهب هدراً في البحر، هذه المساحة الواسعة جديرة بأن تكون سلة فواكه لكثير من المحاصيل الزراعية التي ثبت نجاحها كالموز والمانجو و..و..و..، إذن المشكلة تكمن في عجز الوزارة سواء الزراعة أو المياه من استثمار مياه الأمطار ويتطلب تشكيل فريق علمي للوقوف ميدانياً من أجل تحديد مواضع السدود لتخزين المياه والاستفادة منها طوال العام وحين يصرح وزير الزراعة السابق الدكتور فهد بالغنيم بأن الدولة سوف تستورد القمح من الخارج وبنسبة 100% فإن ذلك التصريح يطفئ شموع الأمل التي كان المزارعون يعلقون عليها أمانيهم، ويبرر معالي الوزير عدم الاستثمار الزراعي في الداخل لضعف البنية التحتية كالمياه والتربة والأيدي العاملة ووسائل النقل، وعند النظر لهذه الأسباب نجد أن كثيراً من بلدان العالم استطاعت تجاوز مشكلتي الأيدي العاملة والنقل، أما التربة الخصبة فالمملكة واسعة الأرجاء وهناك مواقع كثيرة ذات تربة خصبة إلا أنها في غياهب النسيان، والذي استطعنا فهمه من تصريح معالي الوزير أن وزارته تسعى لزيادة رفع نسبة البطالة والإيحاء بأن البلاد لا تصلح للزراعة ونظل نعتمد في موائدنا على المستورد، وهذا التوجه في ظني خطير ويتعارض مع الهدف المنشود وهو السعي للاكتفاء الذاتي من أجل أمن غذائي.
ومن المآسي التي تحسب ضد وزارة الزراعة ما يقوم به الوافدون من العمالة بإرواء مزارعنا بمياه الصرف الصحي بهدف تسريع عملية الإنضاج كسباً للمال بطريقة غير مشروعة لأن فيها ضرراً على صحة المواطنين، وهنا يتوجب على الوزارة توفير مختبرات فحص لكل ما يرد للسوق لمراقبة نسبة المواد الكيماوية التي تحملها الفواكه والخضراوات مع التغليظ عند محاسبة من يقوم بهذه المخالفات.
وتتحمل وزارة الزراعة أعباء لمصلحة الوطن والمواطن أولها وضع الخطط التي تهدف إلى رفع كفاءة القطاع الزراعي ومسارات التسويق والتخزين والاستهلاك وكذلك عند توزيع الأراضي البور وتحقيق الهدف الأهم وهو حصول المستهلك على غذائه مما تنتجه مزارعنا مع التشجيع لإقامة شركة مساهمة لشراء المحاصيل الزراعية وإقامة مصانع كمرحلة مكملة لتعليب وتبريد المنتج الزراعي وتيسير تسويقه ليصل إلى جميع مناطق ومدن المملكة.
لا أدري ماذا يوجد في حقيبة معالي وزير الزراعة الجديد؟ هل في ذات التوجه السابق؟ أم سيعلن عن أشياء مبهجة؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٢٨) صفحة (١١) بتاريخ (٠٥-٠١-٢٠١٥)