* لاشك أن هذا الانهيار سوف يسهم في تآكل الاحتياطيات، في الوقت الذي تؤكد فيه تقارير دولية أن دول المجلس قادرة على الصمود ثلاث سنوات إذا استمرت الأسعار دون الـ60 دولاراً

رغم التطمينات الرسمية التي أكد فيها مسؤولون خليجيون عدم تأثر المواطنين في دول مجلس التعاون بانهيار أسعار النفط إلى مستوى النصف لتسجل انخفاضًا وصل إلى ما دون الـ50 دولاراً للبرميل لنفط أمريكا والزيت العربي المتوسط ونفط عمان، إلا أن الخبراء الماليين والاقتصاديين يؤكدون غير ذلك. وهذا ما أكده الخبير المصرفي الرئيس التنفيذي لبنك البحرين والكويت عبدالكريم بوجيري في تصريحات صحفية قبل أيام. يقول بوجيري لصحيفة أخبار الخليج البحرينية الصادرة يوم الإثنين الماضي «5 يناير 2015» إن «قدرة الدول الخليجية على التصدي لأزمة انهيار أسعار النفط أكثر من ستة أشهر، سوف تضمحل وتتلاشى تدريجيا، مما سوف يدفع هذه الدول للاستدانة».. «استمرار انهيار أسعار النفط أو بقاؤها على المستويات الحالية عند أقل من 60 دولارا للبرميل، سيؤدي إلى تقليص حجم السيولة الموجودة لدى الحكومات، ما يعني أن الاقتصادات الخليجية سوف تتأثر بشكل مباشر، لأن حركة هذه الاقتصادات تعتمد بشكل عام في دول الخليج على النشاط الحكومي وليس على أنشطة القطاع الخاص».
تصريحات المسؤولين والخبراء النفطيين، تؤكد حقائق القلق المتزايد لدى المواطن الخليجي الذي يضع يده على قلبه تخوفا من واقعه ومستقبله الذي بدا ضبابيا، خصوصا أن دول المجلس تعتمد إيرادات موازناتها العامة على 90% من عوائد النفط، ما يعني تشكيل ضغوطات كبرى على الخدمات والمرافق العامة التي من المتوقع أن تشهد انكماشات واضحة، فضلا عن تراجع الأداء الاقتصادي الذي تحركه وتديره الدولة الريعية في مجلس التعاون الذي ينتج أكثر من 17 مليون برميل يوميا ويصدر أكثر من 13 مليون برميل، لكن خزائنه تفقد نحو مليار دولار يوميا بسبب انهيار الأسعار. هذا الانهيار ما كان له أن يتدحرج بهذه السرعة لو أن بعض وزراء نفط أوبك تحفظوا قليلا في تصريحاتهم المسهبة إزاء رفضهم خفض الإنتاج والاعتماد على سوق العرض والطلب لتحدد الأسعار.
لا يمكن فهم التداعيات المحتملة على مجتمعات الخليج دون التذكير بقفزة عوائد النفط خلال السنوات الماضية، عندما سجلت ارتفاعا من 366 مليار دولار في العام 2009 إلى نحو 730 مليار دولار في العام 2013، وسجلت احتياطياتها المتراكمة ارتفاعا لتصل إلى 2.45 تريليون دولار، وفق معهد المالية الدولي. ولاشك أن هذا الانهيار سوف يسهم في تآكل الاحتياطيات التي فتحت شهية الدول الكبرى لجهة عقد الصفقات الأسطورية المدنية والعسكرية، في الوقت الذي تؤكد فيه التقارير الدولية أن دول المجلس قادرة على الصمود ثلاث سنوات إذا استمرت الأسعار دون الـ60 دولاراً، لكنها ستستنزف الاحتياطات المالية بسرعة لا يبدو أن كثيرين يتوقعونها.
لكن، هل انهيار أسعار النفط وحده يقود إلى الصعوبات الاقتصادية والمالية في دول المجلس؟
إن جزءا مهما من المشكلة يكمن في الفساد المالي والإداري الذي تحول إلى حالة منظمة يصعب اختراقها. وهي حالة تأكل ما لا يقل عن ربع الموازنات العامة التي تتراجع ضوابط صرفها في ظل غياب الشفافية والإفصاح في الإيرادات والمصروفات، بينما تفتقد البرامج الحكومية للمتابعة والفحص والموافقة الأهلية، حيث إن جل ما يمكن تقديمه هو برامج توجهات عامة ترتقي إلى الحالة الزئبقية التي تختفي منها المعايير. لقد فعل الفساد فعلته وتراكمت أخطاؤه وخطاياه حتى تحولت إلى جزء من الهيكل الإداري الذي يعاني من تآكل في مختلف مستوياته نظرا لضعف المعايير والتمييز وبالتالي عدم القدرة على إنجاز المشاريع المتواضعة، مما أدى إلى تراكم الأزمات المعيشية مثل أزمة الإسكان والبطالة وثبات الأجور في أغلب دول مجلس التعاون، وضعف القدرة على توليد الوظائف الجديدة بسبب غياب الدور الحقيقي للقطاع الخاص واعتماد الدولة على مؤسساتها في توظيف المواطنين حتى بلغت هذه المؤسسات حد التشبع في التوظيف الذي قاد بدوره إلى استنزاف الجزء الأهم من الموازنات العامة في دول المجلس.
ولأن الصراخ بحجم الوجع والألم، فقد تسببت هذه المعطيات في زيادة جرعة صراخ المواطن، الذي يشعر بالتهميش وعدم استفادته من ارتفاع أو انخفاض أسعار الثروة الرئيسية في بلاده، وأصبح من غير المقبول الصمت على الفساد وتطيير ميزانيات مؤسسات الدولة لأن أحدهم يحول هذه الوزارة أو تلك إلى مزرعة خاصة بأسرته أو معارفه وبطانته، بينما يحاول المتنفذون قلب الحقائق على طريقة «خير وسيلة للدفاع الهجوم» فتراهم يغزون وسائل الإعلام لكيل الاتهامات للمواطن الذي يبحث عن لقمة العيش بعيدا عن الذل والمهانة، ويوجهون جام غضبهم على صراخه الذي يقض مضاجعهم ويهدد بكشف تلاعبهم بالمال العام، ولا يترددون في اتهامه بانتمائه إلى بلاده وإخلاصه لوطنه، وذلك للتغطية على ما يقومون به من هذر وفساد وتعطيل للتنمية المستدامة.
إن دول مجلس التعاون اليوم أمام معضلات إفراغ المؤسسات الرسمية والأهلية بما فيها مؤسسات المجتمع المدني من محتواها الحقيقي، والأمر يحتاج إلى إعادة نظر في كل السياسات قبل أن تستفحل الأزمات وتطير الاحتياطات وتستحيل عملية الإصلاح.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٣٢) صفحة (١١) بتاريخ (٠٩-٠١-٢٠١٥)