* هل الاقتصاد العالمي بحاجة لنفط رخيص ينقذه من عثراته التي بدأت نهاية 2008 ولا تزال آثارها قائمة حتى اللحظة؟

باستثناء البحرين، التي أعلنت عزمها الاستدانة من المواطن البحريني لسد العجز في الموازنة العامة بعد أن رفعت سقف الدين العام إلى سبعة مليارات دينار بحريني، أي ما يعادل 18.5 مليار دولار مرجح أن يصلها الدين العام مع نهاية العام الجاري، وعمان التي تبحث عن مصادر تمويل لسد العجز في موازنتها، فإن بقية دول مجلس التعاون الخليجي تتجه لاستخدام الاحتياطي النقدي، الذي تشكل خلال السنوات الماضية لمواجهة الانهيار المستمر لأسعار النفط، التي كسرت حاجز الأربعين دولاراً نزولاً ليسجل أقل من 39 دولاراً لبرميل النفط الكويتي يوم الثلاثاء الماضي، ما يعني فقدان 60% من العائدات النفطية على الأقل، وبالتالي تراجع مشاريع التنمية المقررة وتعثر المشاريع المستقبلية، وسينعكس ذلك على المواطن العادي الذي لا يزال يوجه سؤالاً محدداً عمن يقف وراء انهيار أسعار النفط وتبخر قيمة أهم ثروة وطنية طبيعية حباها الله الدول المنتجة للنفط، حيث لم تشكل التصريحات «المطمئنة» الصادرة عن بعض المسؤولين الخليجيين أي مواطن ومقيم في هذه البلدان.
وفي التحليل، فإن من بعض أسباب الإصرار على سقف الإنتاج هو ضرب صناعة النفط الصخري، التي انتشرت في الولايات المتحدة وكندا وامتدت إلى بعض الدول الكبرى المستهلكة للنفط، فيما يعزو البعض السبب إلى عوامل جيوسياسية لا تزال تحفر في المنطقة وتضعها على صفيح ساخن من الخلافات الإقليمية والدولية، التي بدأت تؤثر سلباً على المنطقة بما فيها الاقتصادات المعتمدة أساساً على النفط، كما هو الحال مع دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران وإلى حد ما روسيا، التي تتمتع بمخزون هائل من الغاز الطبيعي. فهل الاقتصاد العالمي بحاجة لنفط رخيص ينقذه من عثراته، التي بدأت نهاية 2008 ولا تزال آثارها قائمة حتى اللحظة، حيث تعاني الاقتصادات الكبرى من انكماش في الأداء قاد بدوره إلى تزايد نسب البطالة وزيادة العجوزات في الموازنات العامة، وبالتالي الديون العامة، لتأتي عملية الانهيار السعرية وتعيد الآمال لتفادي كارثة اقتصادية عالمية قد تكون أشد من سابقتها قبل ست سنوات.
لكن ظاهرة الانهيار الكبير في أسعار النفط، ليست محصورة الفعل والنتائج في إطار منطقة الأوبك الإنتاجية، بقدر ما تتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك إلى الصراع الغربي الروسي في أوكرانيا، وخطوط النفط الأسطورية التي اتفقت الصين وروسيا على إنشائها لتزويد الأولى بالنفط والغاز الروسي، التي تصل أطوالها إلى نحو 4000 كيلو متر، من شأنها فتح آفاق جديدة لروسيا التي تعاني من حصار أمريكي وأوروبي لتتجه صوب آسيا، وهذا سيؤثر بدوره سلباً على إمدادات النفط من دول المنطقة إلى الاقتصادات الآسيوية الصاعدة كالصين والهند. وهذه لعبة سياسية اقتصادية كبرى تدخل في تفاصيل مستقبل الاقتصاد العالمي والمتحكمين فيه، حيث من المتوقع أن تقفز الصين إلى المرتبة الأولى إذا استمر النمو الاقتصادي على ما هو عليه، واستمرت ملايين حاويات التصدير تتدفق من الموانئ الصينية إلى دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، التي تعاني عديد من صناعاتها من مشكلات تسويقية حتى في أسواقها الداخلية بسبب السلع الصينية الرخيصة.
في هذه الأثناء وضمن الصراع على التحكم في مصادر الطاقة ومساراتها إلى الأسواق، جاء دور النفط الصخري والنفط الرملي، الذي تزايد الحديث عنه بالتزامن مع عملية الانهيار الدراماتيكية لأسعار النفط. يقال إن فائض النفط في الولايات المتحدة يصل إلى مليون ونصف المليون برميل، بينما تشير بعض المصادر إلى أن حجم الفائض في السوق العالمي يبلغ مليوني برميل، وهي كمية تكفي لإصابة السوق النفطي بصداع وعدم توازن، زاد منه إصرار دول أوبك الإبقاء على السقف الإنتاجي لتكر سبحة الانهيار. وحين يضاف الحديث المتزايد عن النفط الصخري وحجم إنتاجه وتراجع الكلفة المالية إلى مستويات مشجعة لضخ مزيد منه في الأسواق، فإن الأسعار ستكون في أدنى مستوى لها. وهذا ما حصل، رغم أن قصة النفط الصخري ليست جديدة، وقد بدأ التفكير فيها وبجدية مع الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وجرت منذ ذلك الوقت أبحاث علمية وتجارب كثيرة أغلبها بعيداً عن الأضواء لتأتي ساعة الصفر الأمريكية المحددة لإعادة تركيب الوضع الدولي وفق المتطلبات والمصالح، التي تراها واشنطن ضرورية لإبقائها على عرش القيادة العالمية في القرن الواحد والعشرين على الأقل، وإن تطلب ذلك مزيداً من التضحية بالحلفاء المتناثرين على وجه الكرة الأرضية.
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو اتفقت دول الأوبك على تخفيض الإنتاج بمعدل مليوني برميل في اليوم، وقامت أجهزة الإعلام بدورها المحوري لإنقاذ الثروة الطبيعية الأهم لدى هذه الدول بدلاً من التطاحن وبث الكراهية والتحريض؟
لاشك أن النتيجة الأولى ستكون إيقاف عملية تدهور الأسعار، ومن ثم إعادة الاعتبار للمنتجين وقدرتهم على التحكم في الطاقة الإنتاجية، وبالتالي تحقيق مكاسب مالية آنية والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة، التي تذهب الآن هذراً بأرخص الأثمان!!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٣٩) صفحة (٩) بتاريخ (١٦-٠١-٢٠١٥)