الضعف الواضح لكثير من الطلاب عادة يكون في جانب الثقافة والسلوك برغم التقدم التقني والإلكتروني في هذا العصر

تزخر جامعتنا بأعداد كبيرة من الطلاب والطالبات على مقاعد الدراسة، وتُخرِّج كل نهاية فصل دراسي أعداداً كبيرة من الخريجين والخريجات، ومن ثم يبدأون بالبحث عن عمل مناسب لهم، ويصبح كثير من تلك المخرجات خارج دائرة القبول إما بسبب ضعف قدراته، أو بسبب عدم ملاءمة تخصصه لسوق العمل، أو لتدني معدل تخرجه، والناظر في مستويات بعض أولادنا بعد تخرجهم في الثانوية العامة يتعجب لتدني المستوى الثقافي والمعرفي لهم، لذلك لابد لنا من التفريق بين الكليات والمعاهد المسؤولة عن التعليم الوظيفي المباشر مثل «كليات الطب والصيدلة والمعلمين» وبين الكليات التي تهتم بالجانب المعرفي عبر الوسائل الحديثة كالتفكير والتأمل والإبداع، والمشكلة الأزلية أن هناك من ربط التعليم بالجامعات من أجل الحصول على وظيفة وليس من أجل الحصول على المعرفة وبناء الفكر مما أثَّر سلباً على المستوى العام لأولادنا.
الضعف الواضح لكثير من الطلاب عادة يكون في جانب الثقافة والسلوك برغم التقدم التقني والإلكتروني في هذا العصر حيث بإمكانهم الاستفادة من هذا التطور بشكل كبير من حيث الوصول لأي معلومة يريدونها عبر الإنترنت.
من هذا المنطلق وددت طرح مثل هذا الموضوع لعله يكون مثمراً ونافعاً لمحاولة تغيير النمط السائد والقديم للطريقة المتبعة للتعليم في الجامعات، نعم نحن أكثرنا من التهجم على ضعف مخرجات التعليم العام وجعلناه الشماعة أو الحلقة الأضعف دائماً في تردي مستوى الطلاب بعد التخرج، ولكن لماذا نقف مكتوفي الأيدي بالجامعات؟ ولماذا لا يكون للجامعات دور كبير في تغيير وتطوير الطالب إلى الأفضل؟ طلابنا بعد الصف الثالث الثانوي بحاجة إلى إعطائهم فكرة عن كيفية الدراسة بالجامعة والتغير الذي سوف يتم من حصص دراسية إلى محاضرات، وكيف يُكوّن الطالب شخصيته المستقلة؟ وكيف يتعامل مع أستاذه بالجامعة؟ لذلك أقترح إضافة مواد تُعنى بالثقافة والسلوك وتهتم بتطوير الجوانب الشخصية للطلاب، ليستطيع الطالب تعلُّم بعض الأشياء المهمة في حياته الشخصية.
تحدث لي كثير من الزملاء المحاضرين في بعض الجامعات عن ضعف القدرات الشخصية لدى بعض الطلاب خاصة المستجدين منهم، وأنهم غير مبالين بالمحاضرات، وهمهم فقط الحضور للمحاضرة مع عدم الاهتمام بإضافة شيء من المعرفة والفائدة لهم، ومن خلال تجربتي في التدريس الجامعي لهذا العام لمادتي تاريخ المملكة والسيرة النبوية تأكَّد لي مقولة زملائي عن الوضع المأساوي للطلاب من ناحية الثقافة والمعرفة، فتجد قليلاً منهم متحمساً وكثيراً منهم على العكس تماماً، والمحزن أنك تجد الأغلبية يأتون دون ملازم وأقلام ليتمكنوا من تدوين بعض ما جاء في المحاضرات، فما سبب هذا الإهمال؟ وما هو منبع هذا التكاسل والتراخي المثير؟
أنا شخصياً عندما شعرت بضعف المستوى الثقافي والمعرفي لأغلب الطلاب قررت أن أخصص جزءاً من كل محاضرة للتحدث عن مواضيع تهمهم في بناء الشخصية مثل: تطوير الذات، احترام الوقت والمحافظة عليه، التواصل والحوار مع الآخرين، فنون الخطابة والتحدث والاستماع، المواطنة، اليوم الوطني، وغيرها من المواضيع الكثيرة والمتشعبة والتي يأتي عرض بعضها أثناء سير المحاضرة لعلي أضيف جزءاً مهماً لهم حيث لمست الرغبة والحماس منهم للاستفادة من تلك المواضيع وذلك من خلال طرحهم للأسئلة الكثيرة والمتنوعة.
إن النظرة السائدة التي تعاني منها المجتمعات في العالم الثالث مع الأسف تتمثل في التركيز على نقل المعلومة إلى الطالب فقط مما يدفع الطالب إلى الاعتماد على الحفظ المؤقت لتلك المعلومات وبالتالي نسيانها بمجرد انتهاء الاختبارات مما جعل هذا الطالب يتحوَّل إلى ناقل فقط للمعلومة، بينما تعتمد نظم التعليم الحديثة على التفاعل وبناء الشخصية وإطلاق القدرات مما ينتج عنه عقول متسلحة بالمعرفة والثقافة وليس فقط مجرد شهادات تمنح. التعليم ليس بوابة للوظيفة فقط بل بوابة للحياة، وللتذكير فقط فإن أهم خسائرنا هي عندما يقرر هؤلاء الطلاب خوض غمار المنافسة للحصول على فرصة عمل، حيث إن هذه الفرص لا تريد فقط شهادة بل تريد شخصية متسلحة بالعلم والثقافة والقدرات المتميزة.
ما أريد أن أصل إليه في هذا المقال وبقدوم وزير جديد ويهوى التجديد والتغيير، لماذا لا يتم إضافة مواد جديدة للطلاب المستجدين بحيث تكون تلك المواد ذات فائدة عالية يستفيد منها أولئك الطلاب قبل إبحارهم في دراستهم الجامعية، بحيث تكون تلك المواد بمنزلة محاضرات تُسجل لهم في كل فصل ويكون أغلبها في البناء المعرفي والثقافي وتطوير الشخصية والذات والتدريب على بناء القدرات الشخصية، وتضاف تلك المواد مع السنة التحضيرية والتي تهتم فقط بالتحصيل العلمي وليس بالجانب الشخصي، ويتم استقطاب متخصصين ومدربين متميزين للقيام بهذه المهمة الكبيرة، ومن خلال ذلك سوف نقدم لكليات الجامعات طلاباً إلى حد ما متميزين يتفاعلون مع محاضراتهم بشكل جيد ويحبون الإبداع والتطوير، وبهذا نكون قد أنتجنا طلاباً ذوي مهنية عالية ومتميزة يستطيعون بعد تخرجهم التفاعل مع سوق العمل بكل اقتدار وجدارة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٤٠) صفحة (٩) بتاريخ (١٧-٠١-٢٠١٥)