* في عز الشتاء الباريسي القارص لا يتوقف السياح عن المجيء إلى بلد الفنون والحضارة، ولا يتردد القادمون من الصعود إلى برج إيفل الذي أعلن الحداد على ضحايا المجزرة بإطفاء أنواره الأخاذة

كنت متوجسا وأنا أقدم جواز سفري إلى موظف أمن مطار شارل ديجول بباريس، وكانت عيناي تجولان في أرجاء المطار، المزدحم بالمسافرين من جميع الجنسيات والبلدان لاصطياد حالة غير طبيعية بعد أيام قليلة من مجزرة صحيفة شارلي إيبدو الساخرة والتي راح ضحيتها 12 صحافيا ورسام كاريكاتير، فضلا عن رجال أمن. لم يستغرق وقوفي في طابور الانتظار أكثر من عشر دقائق، وعشر ثوان فقط لختم جواز السفر. سرعة المعاملة زادت فضولي لأبحث في زوايا المطار عن استنفار لأجهزة الأمن والكلاب البوليسية والإجراءات الاستثنائية على العابرين والقادمين خصوصا من الشرق العربي الذي أبتلي بمصائب جمة من كل حدب وصوب، فصار مواطنه مذنبا قبل أن تبدأ محاكمته. لا يلاحظ المرء شيئا في مطار باريس المفجوعة بهول المجزرة، كالذي يضايقه في المطارات العربية التي يحبس فيها المواطن أنفاسه لكثرة الشرطة والمتربصين والمتلصصين على خصوصياته. لكن إجراءات الأمن الفرنسي قد تضاعفت بالتأكيد في المطار والمواقع الحيوية، دون أن يشعروا الآخر بها، وهنا الفرق بين عقليتين: واحدة تفكر في أمن البلد وأخرى تبحث عما ينغص أمنه بإجراءات يتبين أن أغلبها مشروخولا فائدة منه سوى بث الرعب في النفوس المتعبة والمرعوبة أصلا.
عندما أعلنت فرنسا أنها ضاعفت إجراءات الأمن، توقع كثيرون أن السياحة هذا العام سوف تصاب بمقتل، إلا أن ذلك لم يحصل. ففي عز الشتاء الباريسي القارص لا يتوقف السياح عن المجيء إلى بلد الفنون والحضارة، ولا يتردد القادمون من الصعود إلى برج إيفل الذي أعلن الحداد على ضحايا المجزرة بإطفاء أنواره الأخاذة. اللوفر والشانزليزيه وسان جرمان والحي اللاتيني لم لتكن فارغة من زوارها، ولم يكن الأمن يحيطها رغم قبضته المحسوسة من بعيد تحسبا لطارئ جديد. كانت المعركة الرئيسية التي خاضتها فرنسا تتمثل في كيفية إعادة الحياة الطبيعية إلى مجاريها بسرعة ودون خسائر إضافية. ربما هو مفهوم فلسفة الأمن للجميع دون استثناء هي التي تحرك السياسة الأمنية هناك حيث الإرهاب ضرب ضربته بقسوة قادت إلى تضامن العالم معه في المسيرات المليونية التي شارك فيها بالعاصمة أكثر من ثلاثة ملايين شخص، فضلا عن المدن الرئيسية الأخرى التي لم تكن أقل حماسة من باريس.
طلبت من أحد الأصدقاء الفرنسيين تزويدي بالنسخة التي صدرت بعد المجزرة وطبعت خمسة ملايين نسخة منها، بينما كانت تطبع نحو 70 ألف نسخة قبل «غزوة شارلي إيبدو»، لكنه أجابني بعدم حصوله على نسخته رغم مرور أيام على صدورها. تساءلت، قال لي: سجلت اسمي في الطابور حيث يصعب على كهل مثلي الوقوف ساعات حتى يحصل على نسخة. حاورته قليلا فيما احتوى عليه العدد الجديد، والرسوم المسيئة لنبي الأمة، ومدى الإساءة التي تنشرها الصحيفة الضحية لمكون موجود في المجتمع الفرنسي والعالم، وتساءلت إذا ما يعتبر الفرنسيون هذا النوع من النشر تحريضاً على الكراهية ضد معتقدات مواطنين فرنسيين. لم يكن جواب صاحبي مقنعا حين تحصن وراء حرية الرأي والتعبير المنزوعة من سياقاتها، حيث عاجلته بسؤال آخر عن القانون الذي يجرم انتقاد الديانة اليهودية بينما يشيح بوجهه عن ممارستها للديانات الأخرى. تساءلت في داخلي: كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي إذا استباح عقيدة أو مذهباً وحرم الانتقاد على مذهب أو عقيدة أخرى.. أين المساواة هنا؟
في خلفيات المجزرة التي هزت فرنسا، سارعت أنظمة شمولية ودكتاتورية للمشاركة في مسيرة تندد بالإرهاب في باريس بينما تمارسه في عواصمها بطرق شتى بينها التعذيب حتى الموت والقتل خارج القانون، ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو ليس الوحيد بين هؤلاء. وفي جانب آخر، تشير المعلومات إلى أن السلطات الفرنسية أوقفت 12 شخصا على خلفية الجريمة وأفرجت عن ثلاثة منهم، بينما أوقفت السلطات البلجيكية 13 شخصا واتهمت خمسة منهم بالانتماء إلى خلية إرهابية تهدف إلى القيام بتفجيرات في البلاد، في حين أقدمت إيطاليا على طرد تسعة جهاديين أجانب من أراضيها. في هذه الأثناء حققت شعبية الرئيس الفرنسي تقدما ملحوظا بعد جريمة شارلي ايبدو، حيث أشارت استطلاعات الرأي أن 65 % من الفرنسيين يحملون انطباعا سيئا عن الرئيس فرانسوا هولاند، وهي نسبة تعتبر متقدمة قياسا إلى 76 % حملوا نفس الانطباع قبل ستة أشهر من الجريمة. لكن ثمة تحول دراماتيكي في المزاج الفرنسي إزاء من يذهب لمناطق الحروب في البلدان العربية، حيث أيد 81 % من الفرنسيين سحب الجنسية من مزدوجي الجنسية الذين يدانون بارتكاب أعمال إرهابية، بينما أيد 68 % منهم منع المواطنين الفرنسيين من الذهاب أو العودة إلى فرنسا إذا ثبت قيامهم بمهمات قتالية في دول أو مناطق تسيطر عليها الجماعات الإرهابية.
«غزوة شارلي إيبدو» أعادت خلط الأوراق وفرزها من جديد بعد أن وصلت نار الإرهاب إلى الداخل الفرنسي، بينما أثارت تساؤلات جدية حول النظرة الدونية للإسلام واستصغار معتنقيه في الوقت الذي يتم تمجيد اليهودية وتحصينها بقوانين رادعة. هذا الجدل يأخذ مداه في فرنسا كما في العواصم الأوروبية وبلدان شمال غرب إفريقيا التي يوجد مواطنوها بالملايين في فرنسا العلمانية.
«غزوة شارلي إيبدو» ليست الأولى ولن تكون الأخيرة إذا استمر ميزان العدالة مائلا يجلد بسوطه ويصوب برصاصه على الأجساد والرؤوس الخطأ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٤٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢٣-٠١-٢٠١٥)